ويعلمنا طلال أبو غزالة

الصّدى اللعين: ذكريات لا تنسى

عين الاردن  —

د.عماد الخطيب

هل كان في بال (طلال أبوغزاله) وهو يكتب (الصدى اللعين) أن الصدى (طائر خرافي يخرج من رأس المقتول وما يزال يقول اسقوني حتى يؤخذ في ثأره؟).. يقول في قصته: “كنت حينها أعيش مأساة احتلال بلدي فلسطين، ونبض فيّ حلمي الكبير بأمل العودة إلى أرضي، بعد خروجي منها وأهلي والناس أجمعين.. لقد اغتصبت الأرض، وتشرد شعب كامل وضاع الحاضر والمستقبل..”.

فماذا أراد ان يعلمنا الدكتور “طلال أبوغزاله” في قصته؟

كتب الدكتور طلال أبوغزاله عام (1958م) هذه القصة استجابة إلى مسابقة على مستوى طلبة الجامعات، وفاز بها.. أعلن عنها المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية بالجمهورية العربية المتحدة “مصر” آنذاك)، وفازت القصّة، بجائزة 500 جنيه مصريّ، وكان مبلغًا كبيرًا بالنّسبة إلى لاجئ آنذاك ويعيش في الخمسينيات.

وقد صوّرت القصة المعنونة بـ(الصدى اللعين) “خيام البؤس” التي “عشنا فيها”، كما يقول، دون “أن يشع لنا بصيص أمل مهما كان ضئيلا في عودة فلسطين”. فـ”كتبتُ من واقع الحال الذي عشته وعاشه أهل فلسطين”، على حد قوله.

جسّدت القصة حكاية حبّ (بين السّارد/القاص و”وفاء”) ولكنها لم تكتمل؛ لأن ارتبطت بتحرير فلسطين وعلى حد قول القاص: “عودة فلسطين”.

يقول السارد/القاص موجهًا عدسة المتلقي إلى فكرته: “إنها تظن أن لا حلم إلا الحب الصغير”، ويقول: “أفهمتُها أن لدي حلمًا آخر…حلمًا كبيرًا”.. ويشير بالضمير إلى حبيبته “وفاء”.. مع ضرورة ألا نغفل (سيميائية الدلالة) التي يبعثها اختيار الاسم (وفاء)؛ لأنها وفية لحبيبها/السارد، ووفية لحبيتها (فلسطين)، وسيتقلب الحُبّان في قلبها، لتختار في النهاية حبها الكبير لفلسطين، كما اختار ذلك السارد/حبيبها.

وفي القصة صدى حبيب، وآخر لعين:

ذكر السارد/القاص الصدى الحبيب إلى قلبه، وهو في مكان يحبه؛ لأنه يبعث هواء من بلده، إنه”الشاطئ” وليس هذا فحسب، بل هو مكان مناسب لفكرة الصدى الذي يستمع إليه كلما ذهب إلى هناك؛ إذ سَمِعَ السارد/القاص الصدى، وهو يردد: “سيتحقق الحلم… وفلسطين سوف تعود”، ولكنّ أحدًا من أسرة السارد/القاص لم يصدقه عندما ذهب مسرعًا يخبرهم بما سمع!

انتقل المشهد بعد ذلك إلى حيث “وفاء”، فأسرع البطل/السارد إلى “وفاء”؛ كي يبني حبّهما من جديد؛ لأن شرط بنائه في “عودة فلسطين” قد تحقق كما كان يظن من خلال ما سمعه من صدى، قائلا لها: “وفاء… إن أحلام حبّنا ستحقق”!

ثم ظهرت المفاجأة التي تنسج خيوطها بداية النهاية؛ إذ انقلب تيار السّرد في القصة، حين لم تُعِر “وفاء” لكلامه بالا، قائلة: “حدّثني أولا.. عن الثّورة المجيدة”، وفي هذا إشارة إلى انشغال الناس بما تصنعه الثورة العربية ومبادئها القومية، التي ملأت الدّنيا، وشغلت الناس، تجاه استرداد فلسطين وتحريرها.. وانتهت القصة بانشغال الحبيبن بفلسطين (الحب الكبر) فلا حبّ يعلو فوق حبّ فلسطين.

لقد اختار السارد/القاص كلمات القصة بعناية، ورتبها بفنّ أظهر مبكرًا الملكة التي تنبض في شرايين “أبوغزاله”؛ فمن جهة هو ابن فلسطين، وابن القضية التي لن يتكلم أحد عنها بأصدق مما سيتكلم هو عنها، ومن عباراته وجمله التي مثلت صدق ما ينبئ المتلقي عنه:

  • “اغتصبت فلسطين”،
  • “كفر والدي بكل شيء”،
  • “ناعيًا الأمة ومستقبلها”
  • “كنا ننظر إلى خيام البؤس كمن يتحدى إرادتنا ويطعن كرامتنا”، و”كل خيمة نصبت .. كانت وصمة عار في جبيننا نحن..”

ولقد مثّلت العبارات تلك حضور (الصدى اللعين) في ذاكرة البطل/ السارد في موازاة (الصدى الحبيب)؛ لأن لكل صدى وجهين، ويمكن للمتلقي أن يبصرهما.

ثم ختم السارد/القاص مشاهد القصّة بمشهد مختصر، إذ أسمع المتلقي، وأسمع نفسه “حشرجة الصدى اللعين”، وكان مبتسمًا، ويتبادل مع حبيبته “وفاء” حديث الثّورة والحبّ، ومؤمنًا بأنّ “الأمة كلها قد آمنت بالحلم الكبير، ولم يعد فيها من يشغله الحلم الصغير”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى