من هنا وهناك

اسميك يكتب : ماذا لو تحقّق السلام منذ أوسلو؟

المفكر حسن إسميك رئيس مجلس أمناء ستراتجيك للدراسات والابحاث..

 

عرضت شبكة HBO التلفزيونية الأميركية، قبل أيام، فيلماً جديداً بعنوان “أوسلو”، تدور أحداثه حول ما جرى في كواليس اتفاقيات أوسلو للسلام عام 1993، باعتبارها لحظة تاريخية مفصلية من حيث أنها تمثل أول اتفاق مباشر بين حكومة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكانت بالتالي تحركاً غير مسبوق نحو السلام. تروي هذه الدراما قصة الجهود غير العادية التي بذلتها الدبلوماسية النرويجية منى يول Mona Juul، وزوجها تيري رود لارسن Terje Rød-Larsen، عالم الاجتماع ومدير مؤسسة فافو للأبحاث Fafo Foundation، والاجتماعات السرية التي نظَّماها بين الأطراف المتحاربة، في أوسلو، كبديل للمفاوضات المتوقفة والتي كانت تقودها الولايات المتحدة.

 

يأتي عرض هذا الفيلم بعد أيام قليلة من توقف إطلاق النار الذي تلا تصعيداً كبيراً شهدته الأراضي الفلسطينية، وحملات عسكرية شديدة أسفرت عن استشهاد نحو 248 فلسطينياً، من بينهم 66 طفلاً، جراء الهجوم المكثف الذي شنَّته القوات الإسرائيلية على غزة؛ وفي الضفة المقابلة قُتل ما لا يقل عن 12 إسرائيلياً بنيران صواريخ “حماس”.

 

وأسأل نفسي، لو تحقق السلام فعلاً منذ أوسلو، هل كنا سنشهد حروباً من هذا القبيل؟ ومهما حاولت رسم سيناريوات تشاؤمية لسيرورة الأحداث تحت هذا الفرض، لا أستطيع أن أجد سيناريو يكون الوضع فيه أسوأ مما يعيشه الفلسطينيون اليوم.

 

لا أنكر هنا طبعاً أن لأوسلو، ولـ “عملية السلام” التي سبقته أو تبعته مساوئ كثيرة وعيوباً وإجحافاً بحق الفلسطينيين في مواقع عدة، لكنني أستخدم أوسلو لأنه “نقطة العلام” الأوضح في تاريخ الصراع، ولأن أي عملية سلام، ومهما بلغ مستوى نجاحها فهي ستحمل غبناً ما للفلسطينيين، لأنه بطبيعة الحال سلام أمر واقع، وليس سلام انتفاء التهديد، لذلك من الأجدى أن نضع الإيجابيات والسلبيات، كلٌّ بكفة، وسنرى أن إيجابيات السلام ستفوق دائماً سلبياته وبفارق شاسع.

 

تركت اتفاقات أوسلو قضايا حاسمة من دون حلول بيّنة ونهائية مثل الحدود والقدس واللاجئين والمستوطنات والأمن، لكن بالمقابل كانت هناك مفاصل كثيرة تشكل أسساً من الممكن البناء عليها، من قبيل الاعتراف المتبادل عام 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية والتوقيع في حديقة البيت الأبيض؛ اتفاقية غزة – أريحا 1994؛ قمة الدار البيضاء عام 1994 التي اجتمع فيها ممثلو القطاع الخاص الإسرائيلي والعربي من جميع أنحاء الشرق الأوسط لمناقشة التجارة والأعمال؛ ومعاهدة السلام الإسرائيلية الأردنية لعام 1994. ربما كان من الممكن لتلك التنازلات التي قُدمت من الجانب الفلسطيني أن تكون هي الأخيرة.

 

ولنفكر بواقعية، ربما لم يكن نجاح اتفاق أوسلو ليؤدي بالفلسطينيين، والعرب عموماً، للوصول إلى قمة جبل السلام مع إسرائيل، لكنه بالتأكيد كان سيمنع الانحدار الحاصل حالياً، والذي بلغ عمق وادي النزاع، وسيمنع أيضاً وصولنا إلى حال الاستقطاب الهائل هذا، وتعميق الميول واستعلاء القوى المناهضة للسلام، ودفع الفلسطينيين والإسرائيليين أكثر باتجاه اليمين المتطرف والمغالي. والأهم من ذلك كله، كان السلام الحقيقي سيضمن بالضرورة مستقبلاً أفضل للدولة الفلسطينية.

 

لو نجح اتفاق أوسلو لكان الفلسطينيون والإسرائيليون قد وفروا على أنفسهم خسائر اقتصادية ربما بلغت مليارات الدولارات نتيجة المشاريع الاقتصادية المشتركة بين القطاعين الخاصين الفلسطيني والإسرائيلي في مجالات الطاقة والإسمنت والكهرباء والاتصالات.. وغيرها.

 

أما بالنسبة للفلسطينيين على وجه الخصوص والتحديد، فقد كان من المقرر أن يتولى إعادة إعمار الأراضي الفلسطينية اقتصاديون ورجال أعمال فلسطينيون مرموقون دولياً، يعملون جنباً إلى جنب مع البنك الدولي، ويتمتعون بالدعم المالي من التبرعات الغربية. لتحقيق هذه الغاية، اجتمعت الدول المانحة المحتملة، نهاية عام 1993، والتزمت تقديم مبالغ مالية كبيرة، وتم إنشاء “المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار (بكدار)”، والذي كان من المفترض أن يتولى الإشراف على اقتصاد السلطة الفلسطينية.

 

لكن “حساب حقل” ياسر عرفات لم يتطابق مع “حسابات بيدر” المجتمع الدولي، فقد رأى أن وجود منظمة مستقلة وقوية مثل “بكدار” يمثل تهديداً محتملاً لسلطته!

لقد كان البنك الدولي يسعى إلى دفع الفلسطينيين نحو بناء اقتصاد حديث على النمط الغربي، بكل ما يعنيه ذلك من أسواق تنافسية، وهيئات عامة شفافة وخاضعة للمساءلة، ومؤسسات مالية وقانونية قوية، وقادرة أيضاً على الحدّ من مستويات الفساد والمحاباة وسوء الإدارة التي ما زالت تسم الأداء الاقتصادي للقيادات الفلسطينية المتتابعة.

 

يُدار اقتصاد السلطة الفلسطينية منذ نشأتها كما لو أنه مؤسسة عائلية، ولا يتم التخلي عن الاحتكارات لمصلحة أفراد أو مؤسسات إلا بمقابل، وتستخدم الأموال العامة في كثير من الأحيان بلا شروط وكأنها ثروات شخصية. ويزداد أثر هذا الفساد سوءاً عندما لا يتم استثمار أموال المانحين في البنى التحتية ووسائل الإنتاج لدعم التنمية وبناء قدرات اقتصادية محلية بدل الاعتماد المستمر على التبرعات، والتي يهدد توقفها بأي لحظة بانهيار كامل النظام.

 

لا تقتصر الفرص المهدورة نتيجة عدم الالتزام باتفاقات أوسلو على الجانب الاقتصادي، رغم أنه –برأيي– الجانب الأهم، فلو تحسنت الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين وتأمنت سبل عيشهم وحياتهم الكريمة، لتغيرت المعادلات كلها اليوم. لكن، حتى على الصعيد الأمني، لو نجحت اتفاقيات أوسلو لاستمرت “الدوريات المشتركة” التي كان من المفترض أن تضم جنوداً إسرائيليين وفلسطينيين معاً لمنع أعمال العنف، ومحاربة إرهاب المتطرفين، وربما كان بالإمكان وقف اغتيالات وعمليات تصعيد عديدة، أودت بأرواح الآلاف ودمرت من البنى والمنازل والمنشآت الكثير، وأدت بشكل مباشر إلى وقف عملية السلام.

 

فشلت عملية أوسلو، فازداد الشك وعدم الثقة الذي ينسبه كل من الإسرائيليين والفلسطينيين إلى دوافع بعضهم بعضا (أدت حوادث عديدة إلى تساؤلات لدى الإسرائيليين عما إذا كان عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية ينويان إلقاء السلاح حقاً؛ كما رأى الفلسطينيون أن توسيع المستوطنات وإقامة إسرائيل حواجز عسكرية على الطرق بين المدن الفلسطينية يهدف لإنشاء كانتونات فلسطينية منفصلة تخنق أي إمكان لقيام دولة فلسطينية مستقبلية قابلة للحياة)، كل هذا أدى إلى خلق جو دائم من الأزمات وتراجع التوقعات.

 

بالمقابل، لو نجح اتفاق أوسلو لشكّل بالتأكيد الفاتحة إلى الكثير من الاتفاقات الأخرى، فمثلاً كان الاتفاق مع سوريا هدف إسحق رابين التالي –بحسب كثير من المحللين، اتفاق كان يمكن ان تغير نتيجته وجه المنطقة كلها، ولربما تجنبت سورية حمام الدم الذي ما زالت تعيشه منذ أكثر من عشر سنوات، واوقف التدخلات الإيرانية السافرة في المنطقة، وغيرّ خرائط النفوذ وموازين القوة كلها في الشرق الأوسط. بالعموم كان لنجاح اتفاق عام 1993 مهما كان صغيراً ونسبياً، أن يحمل تأثيراً إيجابياً كبيراً على كل الأطراف الداعمة والساعية نحو السلام، وكان ليدفعها إلى المزيد من العمل والإنجاز، من دون أن يكون كل نشاط لها ملاحقاً بشبح “فشل أوسلو”.

 

ربما لم يكن الاتفاق العصا السحرية التي ستغير الأوضاع بالكامل، وتقلب الموازين كلها، وتخلق السلام العادل والشامل في المنطقة، لكنه كان بالطبع سيشكل حجر أساس مهماً يُبنى عليه فيما بعد، وفرصة قد تفتح الباب أمام المزيد من الفرص، ومهما كانت الظروف التي سيخلقها الالتزام بالاتفاق سيئة، إلا أنها لن تكون أكثر سوءاً من الأوضاع التي يعيشها اليوم الفلسطينيون خصوصاً، والمنطقة عموماً.

تُختتم أحداث فيلم HBO الجديد بمشهد المصافحة الشهيرة بين رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين أمام الرئيس الأميركي بل كلينتون في حديقة البيت الأبيض، وكأن لسان حال صناع الفيلم يقول: انظروا إنَّ السلام ممكن!

بالمقابل، يظهر كل فترة مفكر أو محلل أو حتى سياسي يقول إنَّ الحدث الفلاني، والذي يختلف بحسب الزمن والأوضاع والقادة السياسيين، قد دق المسمار الأخير في نعش عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية… “مسامير أخيرة” كثيرة دُّقت لكن الأمل ببعث عملية السلام لا يزال قائماً وموجوداً ولم يُفقد بعد، ربما هدرنا ربع قرن، لكن مسؤوليتنا تجاه الأجيال القادمة تقتضي ألا نهدر المزيد من الوقت، وأن نعمل اليوم ليعيشوا حياة آمنة رغيدة غداً.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى