أقلام وآراء

هؤلاء « القبيضة « ملح الفاسدين

حسين الرواشدة

هل تذكرون الكتاب التوثيقي الذي نشرته رئاسة الجمهورية التونسية حول «منظومة الدعاية لنظام بن علي» قبل سنوات. حين قرأته آنذاك قلت : ألهذه الدرجة يمكن للفساد ان يتمدد حتى يطبق بذراعيه على رقاب «المثقفين» والاعلاميين ، ألهذه الدرجة وصلت لدى من يفترض انهم يمثلون الضمير العام حالة «القابلية» لبيع ضمائرهم وتأجير منابرهم دفاعا عن انظمة استبدت وظلمت.
الكتاب( ومثله نسخ مشابهة في كثير من بلداننا لم تنشر للأسف ) ضم قوائم بأسماء اعضاء «الشبكة» المتعاونة، منهم صحفيون ومحسوبون على النظام وآخرون «معارضون»، ومنهم محامون واساتذة جامعات ورؤساء جمعيات ومدافعون عن حقوق الانسان، ومنهم اعلاميون معروفون من دول عربية، وهنالك ايضا قوائم «للتسعيرة» إذْ تم تحديد مخصصات كل طرف، وكل موضوع، كما تم تحديد وظيفة كل «متعاون» وخاصة فيما يتعلق بكتابة المقالات او الردود على معارضي الرئيس السابق من خلال الفضائيات.
مشكلة الفساد لا تتعلق فقط بالذين سرقوا اموالنا واعمارنا، ولا بالذين حاولوا ان « يسمموا « حياتنا ويزرعوا وسط شبابنا اليأس من الحاضر والمستقبل ، هؤلاء نعرفهم ويمكن ان نضبطهم « بالجرم « المشهود، وسواء استطعنا ان نضعهم امام موازين العدالة لينالوا عقابهم العادل، او استطاعوا ان يهربوا من المحاسبة، فان صورهم المشوهة في عيون الناس ستبقى في الذاكرة، كما ان « لعنة « الحرام ستظل تلاحقهم للابد.
المشكلة ليست في هؤلاء فقط، وانما في آخرين نجح الفاسدون في شراء ذممهم، وقبضوا نصيبهم من المال الفاسد واخذوا العطايا المغشوشة بعد ان هانت عليهم انفسهم وغابت « ضمائرهم «، ينضم اليهم آخرون صمتوا عن ادانة الفاسدين، او ظلوا واقفين وراء الستارة ولم يتحركوا للدفاع عن قيم المجتمع ومصالحة، او مروا من هناك وكأن ما حدث لا يعتبر عبثا في النواميس الوطنية، ولا انتهاكا لحرمة الوطن المنكوب .
اخطر ما فعلته « نخبة « الفساد بنا انها نجحت في «تغييب» الضمير العام، وتلويث المناخات العامة ، فقد تسللت الى مجتمعنا من خلال عملية منظمة لشراء الذمم واسكات الاصوات، ومن المفارقات الغريبة ان الصراع على ملف « الفساد « اصبح بين الفاسدين انفسهم، وبرعاية « الكومبارس « الذي يقف وراءهم، وبالتالي تحولت المعركة ضد هؤلاء الى « فخ « لا نعرف حتى الان كيف نتعامل معه او نخرج منه.
الفساد – يا سادة – لم يعد يقتصر على نهب الاموال وسوء استخدام الصلاحيات الادارية، وانما تجاوز حدوده فاصبحنا نراه بعيوننا يتجسد امامنا بالاستهانة بالناس واستعباطهم، او بالمجاهرة بالمعصية والدفاع عمن يتجرأ على « قيم « المجتمع وتقاليده، بل ودينه ايضا، او بالإساءة لأذواق الناس وسلامة مائهم وغذائهم وصحتهم، لقد تطور الفساد وعم حتى اصبح جزءا من حياتنا العامة واخطر ما فيه انه اصاب منظومة اخلاقنا، وروض « ضمائرنا « وانتج جيلا جديدا او طبقة تمددت وتوسعت حتى اصبحت مصالحها مرتبطة به تماما، وبالتالي فهي تحميه وتدافع عنه بكل ما لديها من قوة ونفوذ .
غدا نكمل ان شاء الله

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى