من هنا وهناك

اللوم… من تهذيب النفس إلى ستر عورات السياسة

المفكر حسن اسميك

في مقال سابق كتبته عن أبي النواس، ومع الاستغراق الشديد في تأمل أشعاره وفلسفة الحياة عنده، وقفت أتملى كثيراً قوله الشهير: (دع عنك لومي فإن اللوم إغراء… ودواني بالتي كانت هي الداء) وأتفكر في مغزاه ودلالاته، ولما انتهيت من المقال ودفعته للنشر، زال انشغالي بفلسفة الشاعر وبالشطر الثاني من بيته. لكن الشطر الأول، ولسبب غامض لم أتبينه، بقي حاضراً في ذهني، لماذا نضيق ذرعاً باللوم؟ ولماذا يصرّ المُلام على التمسك بما يُلام من أجله؟
جعلني أبو النواس أتوقف عند معنى اللوم طويلاً، وأفكر ملياً في دلالاته وغاياته ومستوياته، وفي الأسباب والدوافع التي تحضّنا عليه، وفي شروط اختيارنا هذا السلوك واعتباراته، أو الكف عنه، أو شعورنا بالإلزام به، ومتى يجب أن نلوم؟ ومن؟ ثم تبين لي من المراقبة لنفسي أولاً، ومن ملاحظة المحيطين بي ثانياً، أننا وإن كنا لا نستخدم كلمة اللوم في حديثنا كثيراً، إلا أنها حالة شائعة في سلوكنا تجاه الآخرين، كما في سلوك الآخرين تجاهنا. فنحن نلوم من دون أن نقول للآخرين أننا نلومهم، وأحياناُ من دون أن ندرك ذلك. فلماذا نكثر من اللوم إذاً؟!
من السؤال الأخير، يتوجه علماء النفس إلى اعتبار اللوم سلوكاً ينشأ عن آلية دفاعية لا شعورية، ترتبط غايتها بحماية صورتنا عن ذواتنا، أو مقاومتنا لحالة الشعور بالذنب أحياناً، وتشريع نفي المسؤولية عنّا والتهرب من تحملها، بل وتحميلها – من دون وجه حق في الغالب- على المُلام نفسه. وقد تتطور غايات هذه الآلية اللاشعورية إلى حالات أكثر تعقيداً، كأن تضمر داخلها عدائية تجاه الآخر يلجأ البعض إلى التعبير عنها بطريقة مهذبة ولا تخالف معايير المجتمع. ولكنها قد تتحول أحياناً إلى اضطراب نفسي يعيق التواصل مع الآخرين حولنا، ويدمّر منظومة العلاقات الاجتماعية وبناها، سواء تلك التي نقيمها داخل مؤسسة الأسرة أو العمل أو الصداقة، فينتهي الأمر بالفشل في الزواج أو العمل، ونحن نظن أن الأسباب خلف هذا الفشل كبيرة وراسخة ولا يمكن تجاوزها، ولكنها في الغالب ليست أكثر من أن البعض يستسهل توجيه اللوم للآخر متى شاء وكيفما شاء، وإذا ما وُوجِه بفعلته هذه، ردّ ببرود ودهشة مصطنعة: (لماذا تغضبون من كلمة الحق؟). وفي الحقيقة فإن ما سيُغضبنا حينها ليس الحق، بل الباطل الذي يُلبسه اللائم لبوس الحق.
اللوم هو المعادل المستتر للتوبيخ أو التقريع، ورد الفعل المضاد للنصح أو الإرشاد والتوجيه، فنحن حين ننصح أحداً (ولست في العموم مع الإكثار من النصح) نسعى لإقناعه بعدم الإقدام على فعل لا نراه حسناً، أو لإقناعه بالكف عن الفعل نفسه بعد أن أقدم عليه. ولذلك فإن أساس النصح هو الإقناع، أما اللوم فيأتي متأخراً بعد وقوع الفعل، وليس من غاياته النصح أو الإقناع، بل التجريم والمحاسبة، وقد يصل الى درجة المعاقبة، كحرمان المُلام من منفعة، أو عزله أو التشهير به أو مقاطعته.
صفات اللوم من منظورها السلوكي هذا، والقائمة على تقاطعه مع التوبيخ وتعارضه مع النصح، سبب رئيس يدعونا إلى التنبه حين نلوم، وإلى الحذر من الإفراط في اللوم، والوعي بمّا قد يخرّبه أو يؤدي إلى تدميره، فاللوم أداة حادة خطرة، يفعل في النفس ما يفعله النصل في الجسد، فيجرح ويؤلم ويعطب.. وأحيانا يقتل، لذلك فإن استسهال استخدام هذه الأداة الخطرة والإكثار منه سيجعلنا نتسبب في أذية الآخرين وإيلامهم، وسرعان ما تنعكس علينا نتائج هذه الأذية ومضاعفاتها.
وفي الحقيقة.. لا يقف اللوم عند حدود سلوك الفرد وعلاقته بالآخرين من حوله، ولا ينحصر في مجرد مواقف جزئية حياتية، بل قد يتعدى ذلك ليصبح سلوكاً جمعياً يتجاوز الفردية وجزئياتها فتوجهه جماعة غير محددة لجماعة أخرى مثلها، كاللوم الذي توجهه الأجيال الأحدث للأجيال التي سبقتها، بخاصة عندما تكون أفعال الأجيال السابقة ما زالت حاضرة ومؤثرة، كأن نلوم نحن العرب أسلافنا لمّا ضيّعوا الحضارة العربية ولم يحافظوا عليها، فأصبحنا بسببهم دول عالم ثالث بعدما كنا نحتل صدارة العالمية، وهو لوم باطل ولا شك، ذلك لأن أي حضارة لا بد من أن تضمحل بعد أن تزدهر، وهذا ما أشار الية ابن خلدون فيلسوف الحضارة والعمران في مقدمته المهمة عن حياة الحضارات.
سأذكر نوعاً واحداً من اللوم الشائع، لخطورته وفداحة آثاره السلبية علينا جميعاً، أفراداً ومجتمعات. وأقصد هنا خطاب الملامة المنتشر بكثرة على أفواه بعض الدعاة، الذين يسارعون في كل حدث أو مصيبة أو ضيق أو أزمة تصيب الفرد أو المجتمع، إلى المبالغة في إلقاء اللوم مقروناً بتهمة ارتكاب المعاصي والتخلي عن الدين، ومن ثم استحقاق غضب الله بحسب زعمهم. فإذا شحّ المطر قالوا بسبب الذنوب، ولا أدري كيف يفسرون ما يقع في بعض بقاع الأرض التي لا تنقطع فيها الأمطار طيلة العام. وإذا وقع زلزال أو ثار بركان أو ظهر تسونامي ردّوا ذلك إلى غضب الله على الجميع وانتقامه منهم، وإذا أصاب الإنسان فقر أو مرض اعتبروا ذلك بسبب ضعف إيمانه أو سوء إسلامه، حتى لو لم يروا شيئاً من عمل هذا الفقير أو المريض يدل على تقصيره، بل يكفيهم الظن والتخمين. ومع أني لا أنكر الثواب والعقاب وقضاء الله بهما، سواء في الدنيا أم بعد الموت، إلا أنني أعتقد أن هذا الطريقة من الإيمانيات المضمرة التي يُسلم بها تسليماً، ولا يمكن تناولها بهذا التبسيط الذي يحاول بعض الدعاة إقناعنا به. والخطير في الأمر كله، أن خطاب هذا النوع من اللوم يكرس الشعور الدائم والوهمي بالذنب، ويغذي أصل التشدد والتعصب الديني، ويستبدل الترهيب بالترغيب، ويجعل من الطعن في إيمان الناس وعقيدتهم، وأحياناً تكفيرهم، تهمة جاهزة من السهل إطلاقها، ومن الصعب التبرئة منها. ولا يخفى على أحد كم أودت هذه التهمة الفضفاضة بحياة أبرياء سُلبوا حق الحياة بلا ذنب ارتكبوه، بل لمجرد الشبهة المحضة والاتهام المعمم.
من جهة أخرى، لا ينبغي فحص اللوم دائماً ومعايرة قيمته من منظور التعميم، فاللوم أداة ينطبق عليها – كما على غيرها من الأدوات- معيار سوء الاستخدام أو الإحسان فيه، وهذا ما ينفي عنه القيمة المطلقة، ويجعله مرتهناً إلى النسبية وعواملها التي ينبغي أخذها بالحسبان عند توجيه اللوم، كالزمان والمكان والموقف والغاية. وعلى ذلك يؤكد ستيفن فاينمان في كتابه “صناعة اللوم” أن اللوم ليس دائماً أمراً سيئاً، فقد يكون بدايةً رفع حيف أو ظلم، أو يعمل كمنبه لمسائل يجب عدم تجاوزها، أو قد يضع الأقوياء، من شركات وحكومات ومسيئين، تحت طائلة المساءلة. ومن دونه يضيع جوهر القانون والمواطنيَّة الملتزمة. وإذا كُنا لا نستطيع أن نلوم أو نُلام، فلن يكون للشرعية معنى”. ولهذا، يعتقد فاينمان أن اللَّوم لن يختفي، ولا ينبغي أن يختفي.
يخلص فاينمان بالمقابل إلى أن المُشكلة مع اللَّوم لا تكمن في اللَّوم بحد ذاته، ولكن في ليّ عنقه وسوء استخدامه، بخاصة عندما  يُستغل أداة سياسيَّة لضمان السَّطوة أو كسب السلطة؛ أو يُسخّر لتشويه سمعة قوميَّة أو عرق أو جنس أو دين أو إثنية. كما أن المبالغة فيه غالباً ما تؤدي إلى تدمير الزواج، وإنهاء الصداقات، وتقسيم الدول. وكما قلت من قبل أن اللوم ليس سيئاً بذاته، ولكنه أيضاً برأي فاينمان قابل لأن يكون “منبعاً لا ينضب لسوء النية”.
ربما بدأ اللوم مع الإنسان كأسلوب منضبط ومحدد للتعبير عن مشاعر الأسف أو الغضب أو الخيبة، لكن التطور البشري عموماً، والذي ترافق مع تطوير الإنسان لأساليبه أيضاً، حوّل اللوم من مجرد أسلوب تعبير إلى أداة، ثم تطورت الأداة إلى مؤسسة بحد ذاتها، تُضاف إلى بقية المؤسسات الحاكمة للسلوك التنظيمي والاجتماعي الذي بلغ تعقيده اليوم أضعافاً مضاعفة مقارنة بما كان عليه منذ عدة قرون.
وفي عصرنا هذا، باتت “مؤسسة اللوم” تشغل حيزاً مهماً من آليات التواصل بين أطراف متعددة: أفراد وجماعات وأحزاب سياسية وهيئات ومنظمات محلية وعالمية ودول ومجتمعات.. إلخ. وانعكس هذا على الغايات التي من أجلها يقع اللوم، فلم يعد مجرد نوع من العتب الشديد أو التوبيخ فحسب، بل تعدى ذلك ليصبح جزءاً من آليات المعاقبة والمعارضة والمساءلة، وأداة للضغط وتغيير المواقف وتحميل تبعات الأخطاء على من يجب أن يتحملها، وصولاً للمطالبة بتصحيحها، ولقد أدى الإصرار على اللوم في حالات كثيرة إلى تصحيح الأخطاء وتغيير الواقع نحو الأفضل.
لكن هذا التطور في تكريس مؤسسة اللوم أدى أيضاً إلى سوء استخدامه في مجالات عدة، سأقف على مجال واحد منها أصبح جزءا من ثقافتنا، وهو تفشي اللوم في الخطاب السياسي العربي والذي ترافق منذ القرن الماضي مع الخسارات التي منيت بها بعض الأنظمة السياسية عسكرياً ودبلوماسياً واقتصادياً، وبدل أن يتحمل السياسيون والقادة مسؤولياتهم تجاه هذه الخسارات والاعتراف بالفشل كبداية للتصحيح، عمدوا على العكس من ذلك إلى لوم الآخرين وتحميلهم الأسباب والتبعات، وتبرئة أنفسهم وحاشيتهم، فكان عاقبة ذلك توالي الهزائم وتعاظم كلفتها، والتستر على الفشل والدفاع عنه، ومعاقبة كل من يحاول تبيان الحقيقة أو الإشارة إليها.
ومن المضحك المبكي في هذا الصدد أيضاً، أن يصبح اللوم هو طريقة التعاطي السياسي بين بعض الدول العربية وجيرانها، مرة تتهمها بقطع الموارد عنها، ومرة أخرى تتهمها بإثارة القلاقل على حدودها، أو التدخل في شؤونها الداخلية. ولا أريد أن أضرب الأمثلة على ذلك، لأني إن فعلت ربما سآتي على ذكر أكثر من نصف هذه الدول، والتي لا تلجأ للوم في التعاطي مع شؤونها الخارجية فحسب، بل والداخلية أيضاً، فترى قادة يلومون شعوبهم على تفشي الفساد والمحسوبيات، أو يتهمون تقاعسهم كسبب في إفشال الخطط الحكومية وتدني الإنتاجية. والأخطر من هذا وذاك أن تتهم بعض الحكومات مواطنيها بالخيانة والتآمر مع الأجنبي، لتشرع لنفسها تكميم الأفواه والاستئثار بالسلطة والقضاء على محاولات الإصلاح والتغيير نحو الأفضل.
كل مظاهر اللوم هذه، تكشف خللاً بنيوياً في الممارسة السياسية العربية، وتوضح كيف أنها لم ترق بعد إلى مستوى السلوك السياسي القائم على الشفافية والمصارحة والعدالة، بل ما يزال سلوكها محكوماً بعقلية المؤامرة وتخوين الشعوب ولومها، وتحميلها المسؤوليات التي ينبغي على السياسيين أنفسهم أن يتحملوها، وقد نسي هؤلاء السياسيون أن الشعوب لا تتآمر ولا تخون، بل هي تحاول أن تستعيد حقوق مواطنيتها بعدما فرّط بها سياسيوها، إما بسبب فسادهم أو بسبب استبدادهم الذي يغطي فشلهم في القيادة والإدارة.
أخيراً.. أقسم الله في سورة القيامة بالنفس اللوامة، والتي أجمع مفسرون على أنها صوت الضمير الداخلي الذي يدفع المؤمن لمحاسبة نفسه على تقصيره وأخطائه، ويحفزه على التقوى والإخلاص في النية والعمل. وإذا كان لوم النفس خصلة حميدة، فإن ما يصلح لأن يكون بين الإنسان ونفسه، قد لا يكون صالحاً أيضاً بينه وبين غيره. لذلك قد تكون الطريقة الأفضل لتجنب الوقوع في اللوم وتبعاته أن نفحص سبب رغبتنا جيداً قبل أن نلوم الآخر، فإذا كانت غايتنا خيّرة فليكن لومنا عتباً ممزوجاً بالمحبة والدفء والتعاطف، أما إذا كانت الغاية غير ذلك، فدع اللوم وامتثل لما قاله أبو النواس عندما طالب لائمه بالكف عن ذلك، إذ ينطوي فعل الأمر في “دع عنك لومي” على الحزم والشدة في الطلب بترك هذه الخصلة وهجرها، فهي لن تجعل الحال أفضل مما هو عليه، بل الغالب أن اللوم سيزيد الأمر سوءاً والطين بلّة، لأنه مفتاح العناد والتشبث بالرأي والتعصب للموقف واللجوء للرفض والممانعة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى