من هنا وهناك

اسميك يكتب …. حلب قصدنا

المفكر حسن اسميك

مدينة تؤدي إليها كل الطرق من الشرق والغرب، زينت دروبها بشجر المفاجأة وثمار المعرفة. الأرض هنا مزيج من تراث ذي طابع خاص ولكنَة مُحببة، طعام حارٌّ لذيذ وطرب فتاّن أصيل. هذه هي حلب، ما قبل الحرب، يزيح عنها حسن إسميك الرماد، عقابا ينزله بنا، لأننا جميعا، حتى لو كان ذلك بخيار الصمت، شركاء بما لحق بها من دمار.

عندما يتحدث أغلبنا عن سوريا فإنهم يتحدثون عن دمشق، وعندما كانوا يزورون سوريا قبل سنواتها العشر الدامية فإنهم يزورون دمشق، متناسين أو غير عارفين ما لباقي المدن السورية من جمال وألق ودور وتاريخ وحضارة وخصوصية، وتُعدّ حلب ثاني المدن السورية.

يطول الحديث عن هذه المدينة التي تتربع في الشمال السوري على عرش فريد من الجمال والعراقة والأصالة يتجلى في كل تفصيل من تفاصيلها، من أدّقها حتى أكثرها جلالاً، فالأرض هنا مزيج من تراث ذي طابع خاص ولكنَة مُحببة، طعام حارٌّ لذيذ وطرب فتّان أصيل، هذه الصورة هي لحلب ما قبل الحرب، كما عرفناها وسمعنا في وصفها القصائد والروايات التي تحكي عن قلعتها الضخمة، وخاناتها القديمة البديعة وأسواقها المتخصصة وشعبها البشوش المثابر. أما اليوم، فمما يؤسف له أن الصورة اختلفت، حين سرقت الحرب أجمل ما في هذه المدينة، ولم يشفع لها تاريخها ليدفع عنها الدمار والموت.

قصة مدينة

حلب لمن لا يعرفها

مرّت الحرب على حلب، وانتقمت من كل ما هو جميل في المدينة، شتتت أهلها في بقاع الأرض، فمنهم من اتجه شمالاً نحو الأراضي التركية، وآخرون اختاروا البقاء في بلدهم فنزحوا إلى المدن الأخرى حاملين بعض ما استطاعوا من متاع بسيط، وخبرة كبيرة في التجارة حاولوا استغلالها في أماكن أخرى، مثبتين قدرة استثنائية على الحياة وتجاوز الصعاب. كثيرون بقوا وصبروا ومازالوا ينتظرون أن تعود مدينتهم كما كانت بعد أن فقدوا من فقدوا من أحبتهم ما بين لاجئ وقتيل.

لا أستطيع إخفاء تأثري بما حلّ بحلب وأنا أخطّ هذه السطور، وأنا أعلم أن الدمار الذي طال المدينة كان الأكثر إيلاماً بين الضربات التي تلقاها السوريون، والحلبيون على وجه الخصوص طوال سنوات الحرب، فلقد شكّلت حلب ركيزة الاقتصاد السوري، إلى جانب البعد الثقافي والحضاري الذي كانت تمثله وتباهي به جاراتها من المدن الأشهر في المنطقة كبغداد وإسطنبول وحتى دمشق.

يعتدّ السوريون عموماً بعراقة بلدهم، ويزخرفون وسام انتمائهم إليه بالعمارة والموسيقى والشعر وكل خيوط التاريخ العريق والمستقبل المنشود، لمستُ ذلك في حديث صديق لي وهو يروي تفاصيل تفجير فندق “كارلتون حلب” في أيار 2014، قبل أن يكمل مئويته الثانية بقليل، وهو المكان الذي يعرفه زائرو حلب جيداً، فقد كان أضخم الفنادق الحلبية وأكثرها عراقة، مع أنه كان قد بني ليكون مستشفى وطنيا بمسمى “الغرباء الحميدي”. استغرق بناؤه حوالي 48 عاماً، ليفتتحه الوالي جميل باشا عام 1900 ويتحول بعد ذلك إلى معهد صحي ثم فندق أثري وفي النهاية إلى “آثار فندق”.

مدينة المفكرين والشعراء

مدينة فائقة الجمال

ليس بعيداً عن الكارلتون تتموضع قلعة حلب، التي أدرجتها منظمة اليونسكو على لائحة مواقع التراث العالمي عام 1986، وبالطبع لم تخطئ اليونسكو بقرار كهذا، فالقلعة التي تُعد من أكبر القلاع في العالم، ويعود تاريخ تشييدها إلى عهد أحد قادة الإسكندر المقدوني، تضمّ داخلها مدينة متكاملة من مبانٍ وكنائس ومساجد وقاعات ومسرح وحوانيت، وفيها أقام سيف الدولة الحمداني وأمر بتحصينها، واستمرت العناية بها في العهود اللاحقة، نظراً لما لها من أهمية عسكرية؛ حيث تعلو حوالي أربعين متراً عن مستوى مدينة حلب. ورغم أنها تعرّضت للهدم والدمار مرات عديدة، كان آخرها أثناء الحرب السورية، فإن ذلك لم يمس من مكانتها التاريخية سواء على الصعيد العسكري أو على الصعيد التراثي والمعماري، كما لم يمس ما تعكسه على مدينتها من عراقة، كأنها تقف لتروي قصة مدينة تحمي نفسها من الزوال بما بنته عبر مراحل وجودها، فمن زار حلب يوماً وشاهد قلعتها وفنادقها وآثارها وحاراتها أو حتى النزر القليل من عمرانها، لا بد أنه قد لاحظ أهمية تلك المدينة التاريخية وسموّها دون أن يحتاج إلى كتاب تاريخ واحد.

وتمتعت حلب تاريخياً بموقع مميز في نهاية طريق الحرير الذي يمر عبر آسيا الوسطى وبلاد الرافدين، كما كانت بمثابة نقطة واصلة بين ضفتي البحر المتوسط، ما جعلها مقصد الكثير من الرحّالة الأوروبيين “المستشرقين” الذين لاقت مدوناتهم، والتي هي أقرب ما تكون لـ”الدراسات” عن المدينة السورية، شعبية واسعة في أوساط المثقفين، خاصة في الفترة من أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر.

 

أبوالطيب المتنبي
أبوالطيب المتنبي

كلما رحبت بنا الروض قلنا حلب قصدنا وأنت السبيل

 

لم تقتصر الإقامة في حلب أو زيارتها على أهل السياسة والتجارة، أو أهل الاستكشاف والدراسة فقط، بل كانت قبلة ومقصداً لأهل الشعر أيضاً. يكاد الجميع يحفظ بيت شعر المتنبي الشهير الذي أصبح على ألسنة الناس مجرى الأمثال: (كلما رحبت بنا الروض قلنا… حلب قصدنا وأنت السبيل). وبعد ذلك بفترة طويلة وصلها الشاعر الفرنسي الكبير لامارتين ليقضي فترة مهمة من حياته مقيماً في حي الكتّاب في حلب، ويكتب أهم قصائده، ومنها قصائد لجوريل الحلبية يسألها فيها:

“من أنتِ؟

ألست من بنات الشرق اللاتي ولدن في رياح الصحراء

أو زهرة من حدائق حلب؟”.

زخرت حلب بالمفكرين والشعراء في مختلف مراحل تاريخها، وعاشت عصراً فكرياً ذهبياً في ظل حكم سيف الدولة الحمداني في القرن العاشر الميلادي، فقد دعّم الأمير الأدباء والعلماء من أمثال المتنبي، الذي كان اكتشاف الباحثين لموضع بيته في حلب عام 2010 قصة أقرب للأفلام السينمائية، حيث وُجد وصفٌ لموضع البيت وأثاثه في كتاب “بغية الطلب في تاريخ حلب” لكاتبه ابن عساكر والذي تم العثور عليه مؤخراً في إحدى المكتبات الهندية. والفارابي المعلم الثاني بعد أرسطو الفيلسوف الموسوعي الأشهر في الثقافة الإسلامية. كما ارتبط تاريخها بأسماء لامعة من الأدباء القدماء والمعاصرين، كأبي فراس والبحتري وابن الوردي وقسطاكي الحمصي وعمر أبوريشة، منهم في العلم اللبودي والصنوبري وفرنسيس مراش والمرعشي. كما أنجبت المدينة أهم أعلام الفكر الديني المستنير والمنفتح، سواء من المسلمين أو المسيحيين، كالمتصوف السهروردي وابن العديم أستاذ جلال الدين الرومي، والمهمنداري، ومار مارون والأب كابوتشي وابن عازار الحلبي وعبدالرحمن الكواكبي وخيرالدين الأسدي وآخرين، وقد نقل الفريقان، المسلم والمسيحي، تجربة التآخي الديني عبر فكرهم إلى أغلب الثقافات العالمية، وجعلوا من حلب نموذجاً رائداً للتسامح وقبول الآخر.

ولقد لفت التنوع الديني والعقائدي الذي تمتعت به “الشهباء”، انتباه معظم الباحثين والرحالة من الذين عبروا المدينة، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: المستشرق جون ألدرد في القرن السادس عشر، عندما قال “إن حلب فيها من كل جنس، من يهود وتتر وفرس وأرمن ومصريين وهنود وأوروبيين، والجميع يتمتع بحرية العقيدة”. وما ذكره القس جيوفاني ماريغولي من البندقية، من أنه ولدى زيارته المدينة سنة 1352 للميلاد ضمن إرسالية دينية، شاهد في حلب كثيراً من المسيحيين الأوروبيين بلباسهم العربي ولغتهم الفرنسية ذات اللكنة القبرصية. ويرى الباحث فؤاد هلال، مؤلف كتاب “حلب القديمة والحديثة”، أن المدينة ظلت قبلة للأجانب من عابرين أو مقيمين، وأسست أول إرسالية دينية أوروبية فيها قبل أكثر من سبعة قرون ونصف، وساهم ذلك في نشر الثقافة واللغات الأجنبية ليتقن أهلها لغات عدة.

بقيت حلب تتميز بحركتها التجارية رغم تعرضها للكثير من المآزق، التي كان أولها افتتاح قناة السويس وتحول التجارة إلى تجارة بحرية، ليأتي بعدها سقوط الخلافة العثمانية وسلخ أجزائها الشمالية (كعنتاب ومرعش وأضنة ومرسين) وضمها إلى تركيا باتفاق بين أتاتورك وسلطات الانتداب الفرنسي، لتنتهي باتفاقية سايكس بيكو وفصل العراق عن سوريا، ما أدى إلى تدهور الاقتصاد فيها، ومن ثم فقدان المدينة لإمكانية وصولها إلى البحر بعد خسارتها لمنفذها الرئيسي على البحر المتوسط في الإسكندرونة عام 1940، وتراجع موقعها السياسي لصالح دمشق – عاصمة سوريا.

نزهة في حقول المتعة

فسحة في حلب

رغم كل تلك الأزمات لم تقبل الشهباء الاستسلام والوقوع أرضاً، بل نهضت بكل ما يمكنها استثماره لتستعيد هيبتها وأهميتها التاريخية، وبالفعل، بلغت مساهمة الاقتصاد المحليّ لمدينة حلب، قبل بداية الحرب السورية نحو 24 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لسوريا كلها؛ وكان الإنتاج الزراعي في المدينة يساهم بنحو 13 في المئة من الإنتاج الزراعي الكليّ، أما الصناعة في البلاد فكانت تعني حلب، حيث امتازت المدينة بالصناعات النسيجية عالية الجودة، حتى أن السوريين كانوا يفتخرون بأن ملابسهم هي صناعة حلبية كما يفتخر الفرنسيون بصناعة الجبن أو السويسريون بصناعة الساعات. هذا إلى جانب صناعة الصابون والحرير الطبيعي والذهب والمواد الغذائية، وكل ذلك بأيدٍ سوريّة تتسم بالمهارة العالية، ترفدها خبرة تاريخية في التجارة والتسويق.

 

لامارتين
لامارتين

ألست من بنات الشرق اللاتي ولدن في رياح الصحراء

 

وتوصف حلب عادة بأنها العاصمة الصناعية لسوريا، ولا عجب في ذلك إذا علمنا أن منطقتها الصناعية في الشيخ نجار كانت تشغلّ ما يقارب نصف العمالة الصناعية في سوريا. ولأنه حين تنشط الصناعة ستنشط التجارة أيضاً فإن غرفة تجارة حلب تُعدّ أقدم غرفة تجارة في منطقة الشرق الأوسط، ولقد لعبت المدينة دوراً كبيراً في تنمية المبادلات التجارية مع مختلف دول العالم، وشكلّت مركز جذب استثماري كبير.

كل ذلك يجعلنا مدركين حجم الخسارة التي طالت الاقتصاد السوري نتيجة دمار حلب وخروج مدنها الصناعية عن العمل، سواء بسبب السرقة أو انقطاع التيار الكهربائي أو الخراب وفقدان المواد الخام اللازمة لاستئناف العمل، وكيف انعكس ذلك بشكل مباشر على أبنائها وعلى باقي المحافظات السورية فقراً وبطالة وهجرة بطرق شرعية وغير شرعية، خاصة في ظلّ الحصار الاقتصادي الذي تتعرض له البلاد.

وإني لآمل أن يولي صانع القرار السوري عنايته القصوى لاستعادة دور حلب الاقتصادي وتوجيه جميع الإمكانيات في هذه المرحلة التي ترفع فيها السلطات السورية شعار إعادة الإعمار في البلاد، وإلى إعادة تأهيل المنطقة الصناعية فيها، ومحاولة استعادة رؤوس الأموال الهاربة والعمالة الخبيرة التي كانت تتمتع بها المدينة سابقاً.

إن أكثر ما يشتهر عن حلب اليوم في المنطقة العربية، هو مطبخها الذي يتمتع بالتمييز والخصوصية إلى جانب أنها بلد الطرب والمواويل والقدود الحلبية الشهيرة، إلا أن رحلة التقصي في أخبار حلب تخبرك بالكثير والكثير، فتشعر أنها نزهة في حقول المتعة كأنك لا تريد لها انتهاءً، لأن هذه المدينة التي تؤدي إليها كل الطرق من الشرق والغرب حسب رأي الباحث فؤاد هلال زينت دروبها بشجر المفاجأة وثمار المعرفة، وفي ذلك يصدح الموال الحلبي الشهير بصوت أمير الطرب الحلبي صباح فخري “درب حلب ومشيته… كله شجر زيتون”.

هذه هي حلب التي تمتاز على غيرها في التاريخ البشري كله بأنها المدينة الأقدم التي ما زالت مأهولة حتى الآن عن عمر يناهز 12 ألف سنة، وهذا هو الألق الذي نتمنى أن تستعيده حلب، وسوريا، وألا تفقده يوماً أي مدينة عربية أخرى نتيجة أي شكل من أشكال الحروب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى