من هنا وهناك

الصحافة في مهمتها الإنسانية… تحقيق جوبي واريك وسعاد مخنط عن ما بعد أحداث أيلول 2001 نموذجاً

المفكر حسن اسميك ..

كيف يمكنك فصل وجود وحياة خمسة أشخاص عن العالم بأكمله، ثم تضعهم في موقع موازً له؟
يحدث هذا عندما تقع عيناك على تحقيق صحفي/قصصي رائع كالذي أعدته السيدة سعاد مخنط وزميلها جوبي واريك بعنوان “في ظل أحداث برجي مركز التجارة العالمي: تغير العالم وتغيرت حياة خمسة أشخاص” ونشرته الواشنطن بوست في 2 أيلول (سبتمبر) 2021.
عبر سرد قصص خمسة أشخاص جاؤوا من أصول مختلفة، ومن مهن متباينة، ومن ديانات وثقافات متعددة، تحيط السيدة مخنط وزميلها بالقصة الكاملة في جانبها الإنساني لأحداث الحادي عشر من أيلول 2001 والظلال التي أرخت بها على حياتنا، إذ تتضمن حبكة التحقيق كلاً من الناجية الأخيرة من التفجير والإطفائي المنقذ والعسكري المنتقم ومحامية حقوق الإنسان، وامرأة كانت ابنة إرهابي وزوجة إرهابي آخر ممكن كانوا على صلة مباشرة أو غير مباشرة بالتفجيرات.
انطلقت السيدة مخنط وزميلها من حقيقة أن أحداث الحادي من أيلول قد مزقت التاريخ نفسه، فلم يعد العالم بأسره بعد هذا اليوم، وليس أميركا فحسب، كما كان قبله. ثم تتبعا حياة هؤلاء الأشخاص الخمسة والتغيرات الكبرى التي طرأت على حياتهم انطلاقاً من نقطة التحول الرئيسة: تفجير برجي مركز التجارة العالمي. لقد كان لهذا الحدث أثره الذي وجّه حياتهم إلى اليوم.
ركزت السيدة مخنط وزميلها على إيضاح النهايات الإيجابية لجميع شخصيات التحقيق، لكن هذه الإيجابية المكللة بالإنجاز ما كانت لتحدث لولا الصعوبات والعقبات التي واجهت أبطال التحقيق: بقاء السيدة كوزمان تحت أنقاض البرج 27 ساعة، لتوثق ذلك الحدث في كتاب غيّر حياتها، وأصابة الضابط هادلستون بعبوة ناسفة في الحرب التي شنتها أميركا على “القاعدة” في العراق، الأمر الذي تسبب له بأذية دماغية جعلته يعيش أياماً طويلة على حافة الانتحار.
ثم هناك فايفر رجل الإطفاء الذي طلب من زميله أن ينوب عنه قبل التفجير ليلعب الغولف، فأدى هذا إلى أن يلقى حتفه بديلاً عنه. عاش فايفر عقدة الناجي وعانى من شعور شديد بالذنب والاكتئاب، ثم أصيب بالسرطان بسبب التعرض للمواد السامة بعد استمرار عمله في موقع التفجير لعدة أسابيع، تحول بعدها لناشط يطالب بحقوق خاصة لمتضرري التفجير وعائلاتهم، ومنهم عائلة زميله الذي مات مكانه. توفي فايفر بسبب السرطان بعدما استطاع الضغط على المشرع الأميركي لإقرار قانون التعويض الموسع.
أما السيدة هينا الشامسي، المحامية المبتدئة ذات الأصول الباكستانية، فقد حولت أحداث أيلول حياتها المهنية لتصبح من المبرزين في الدفاع عن حقوق الإنسان ضد التجاوزات التي قام بها مسؤولون أميركيون خلال حربي العراق وأفغانستان في ظل مواجهة الإرهاب، والتي تراوحت بين السجن والتعذيب والقتل خارج القانون بحجة حماية الأمن القومي. أرادت الشامسي أن تدافع عن القيم الإنسانية الأميركية التي آمنت بها، وان تحافظ عليها إيماناً منها بأن أحداث أيلول يجب أن لا تؤثر على المثل العليا التي أسست لقيام أميركا.
أخيراً السيدة مريم الفزازي القادمة من المغرب إلى ألمانيا، والتي تزوجت برجل لم تعرف أنه كان على صلة بالإرهابيين الذين فجروا برجي مركز التجارة العالمي، ثم سافر للقتال ضد الأمريكان (الكفار برأيه) في أفغانستان، بينما كان والدها خطيباً جهادياً يدعو في المساجد إلى مقاتلة الغرب باسم الإسلام. سُجن والدها ثم أعفى عنه ملك المغرب وتراجع عن عقيدته الجهادية، وسافر أخيراً إلى أميركا وزار النصب المقام مكان برجي مركز التجارة العالمي تخليداً لضحايا التفجير. أما زوج الفزازي فسُجن في فرنسا بعد طلاقهما. استطاعت الفزازي بعد فقدانها للأب والزوج أن تناضل وتربي بناتها وتدير مشروعها وتؤسس شركة حقوقية ألمانية، وتوسع أنشطتها في المجال غير الربحي.
كشفت السيدة مخنط وزميلها الغطاء عن أثر هجمات أيلول في تحول حياة هؤلاء الأشخاص الخمسة متنوعي المهن والأصول، ليتركا للقارئ تخيل التحولات التي أدت إليها هذه الأحداث في حياة ملايين البشر، بل في حياتنا جميعاً، وفي إعادة ترتيب أفكارنا حول قضايا وجودنا الأساسية: العلاقة بين الشرق والغرب، تبدل مفهوم الأمان لدى الأمريكيين وكل البشر، تغير العادات في الحياة اليومية والسفر والعلاقات مع الجوار، تبدل قيم التعايش وقبول الآخر في المجتمعات المختلطة الأوروبية والأميركية، وغيرها من القضايا التي تضمنها التحقيق بعد معالجتها في إطار إنساني شديد الحياد والموضوعية، حتى في الدفاع عن حقوق الإرهابيين، أو الإرهابيين المحتملين وذويهم، انطلاقاً من مبدأ أن حقوق الإنسان لا تقبل التجزئة ولا التمييز.
وعلى هامش الأسلوب القصصي الجذاب، والهدف الإنساني والقيمي، يحيلنا التحقيق إلى جملة من القضايا السياسية والفلسفية المعاصرة، والتي تتعلق بمفهوم الحرب وموقعها من السياسة الدولية، خاصة في ظل التداخل الشديد بين المحلي والإقليمي والعالمي، والذي فرضته طبيعة الحضارة الكونية المعاصرة. كما يقف التحقيق عند محطات متعددة تتقاطع بين النفسي والقانوني والمدني، ما سيثير لدى القارئ أسئلة مفتوحة على هذه المستويات الثلاثة، أسئلة من النوع الذي يقيّم واقعنا اليوم، ويرصد تبدلات شؤوننا منذ العام 2001، وأثر إرادتنا الإنسانية في حدوث ما يحدث.. وفي مواجهته أيضاً.
لضحايا أحداث أيلول 2001 ترفع القبعة، وتُرفع أيضاً لكل من جوبي واريك وسعاد مخنط معدّي التحقيق على رؤيتهما لما لا تسهل رؤيته، وإمساكهما بما لا يمكن الإمساك به.
“النهار”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى