أقلام وآراء

“مترو عمان”.. تأخر سببه سوء إدارة

محمود الخطاطبة

في العشرينية الأخيرة من القرن الماضي، عندما استثمرت دولة سنغافورة بالتعليم، كان وما يزال الهدف من ذلك، هو إفادة الإنسان، وجعله إداريًا منتجًا ناجحًا، يُسهم في بناء وطنه وتقدمه وازدهاره.. وكان لسان حالها يقول إنه عند القضاء على الأُمية أو تخفيف حدتها إلى أقل درجة ممكنة، وعندما يُعطى الإنسان أفضل درجات التعليم، فإنه يكون قادرًا على إدارة أموره الحياتية والمعيشية وتنظيمها، بأقل الممكن، وبالتالي تجنب الخسائر التي يتعرض لها ذلك غير المتعلم، أو غير المُستفيد من التعليم.
للأسف، تلك النتيجة قد تنطبق على أمانة عمان الكُبرى؛ أكبر مؤسسة خدماتية في الأردن، فعندما يُصرح رئيس لجنة «الأمانة»، يوسف الشواربة، لبرنامج «ستون دقيقة»، الذي بُث عبر شاشة التلفزيون الأردني، يوم الجمعة الماضي، أنه يجرى دراسة فنية ومالية لإنشاء «مترو عمان».. فذلك يدل على وجود خلل كبير في التفكير لواقع النقل في المملكة، ويؤشر على سوء إدارة وتنظيم، اللذين يُعدان من أساسيات النجاح في التخطيط للحاضر والمستقبل، على حد سواء.
الآن، وبعد أن أصبح مشروع الباص سريع التردد، الذي كلف مئات الملايين من الدنانير، على وشك الانتهاء، وبعد أن تم تشغيل أولى مراحله، يتم الحديث عن إنشاء «مترو»، الأمر الذي يطرح أكثر من سؤال حول ماهية الطريقة التي تُفكر فيها مؤسسة خدماتية، بحجم أمانة عمان، تُنظم أمور حياة أكثر من 4.5 مليون نسمة، هم عدد قاطني العاصمة؛ أي ما نسبته 45 بالمائة من سكان المملكة.
وللعلم أيضًا، فإن الشواربة كان قد أوضح في حلقة نقاشية نظمها مركز الدراسات الاستراتيجية- الجامعة الأردنية، قبل عامين، وبالتحديد في الـ30 من شهر تشرين الأول 2019، بأن هناك دراسات جدية لعمل «مترو» في عمان، ما يدل على أن التفكير بإنشاء «مترو» موجود منذ فترة، ومشروع حاضر دومًا.
السؤال الذي يتوجب الإجابة عنه، بكل جرأة وصدق وبلا أدنى أي مواربة، يتمثل بلماذا يتم الإصرار على المضي قدمًا بمشروع الباص السريع، رغم أن فوائده لا تُقارن أبدًا بفوائد «المترو»؟، ولماذا يتم إنفاق كل تلك المصاريف على المشروع الأول، بما أن أمانة عمان تُفكر مليًا وجديًا بإنشاء «مترو»؟.
أما كان من الأفضل توفير كل تلك الأموال، وإنفاقها على مشاريع أخرى، أو على بُنى تحتية يحتاجها المشروع الجديد (المترو)، الذي لطالما نادى به العديد من الخبراء في مجال النقل العام والخاص، وكذلك المواطن العادي.
لماذا، لا نمتلك مؤسسات ودوائر «تغار»، غيرة مشروعة من دول متقدمة في هذا الشأن؟، أو حتى نستطيع القول لماذا لا تكون مُقلدة؟، لكن تقليد حسن، لا تقليدا سلبيا.
إذا كانت دولة كسنغافورة، استثمرت في الإنسان من خلال التعليم، بُغية هدف واحد يعود بالنفع عليه أولًا ومن ثم بلده، فالأولى وعلى أقل تقدير أن تستثمر مؤسساتنا في «تعليم» ذاتها، وعدم بقائها في صف الأُمية، فذلك يُسهم في جعل إدارة أي مؤسسة ناجحة ومنظمة على أفضل مستوى، وبالتالي تتجنب الأخطاء، التي قد تكون «قاتلة»، الأمر الذي يؤدي بالنهاية إلى توفير الكثير من الأموال، وإنفاقها على مشاريع ناجحة، تُسهم في نهضة المجتمع، وجعله يُنافس الدول المتقدمة.
يُعد قطاع النقل العام، من الأمور التي يُقاس بها تقدم الدول، إلى جانب كل من الصحة والتعليم، الأمر الذي يؤكد ضرورة إيجاد منظومة نقل حديثة يُشار لها بالبنان، فغياب مثل هذه «المنظومة»، سيجعل من وجود خطة تنمية شاملة، في حكم الصعب، فوجود تلك الخطة من شأنه تحفيز الاستثمار وجلب العديد من المستثمرين، إضافة إلى تمكين السُّياح من زيارة الأماكن السياحية بكل سهولة ويسر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى