أقلام وآراء

الحزبيون الجدد.. على رسلكم!

مكرم أحمد الطراونة

تشهد الساحة حركة سياسية نشطة، تتصدرها حراكات كثيرة ولقاءات متواصلة في سبيل تشكيل أحزاب جديدة عبر استقطاب شخصيات عامة تشكل “إغراءات” لقواعد مستقبلية مفترضة. كل ذلك يأتي في خضم الحديث عن التحول نحو الحياة الحزبية في ضوء الإصلاح السياسي الذي بدأ بمخرجات اللجنة الملكية للتحديث، خصوصا فيما يتعلق بقانوني الأحزاب والانتخاب.
ابتداء؛ حين تستكمل القوانين الجديدة مسارها الدستوري، يحق لأي أردني أن يطمح لتأسيس حزب، أو الانضواء تحت لواء أخرى موجودة. لكن اللافت في التسارع الكبير الحالي في وضع نواة أحزاب جديدة، هو أن الحراكات والكولسات يقود أغلبها وزراء سابقون وسياسيون ما يزال لمعان المنصب يغشي عيونهم، وكما لو أنهم يريدون العودة إلى الأضواء من جديد عبر بوابة الأحزاب.
متابعون سجلوا على الحراكات الجديدة تشتت معظمها، وأيضا غياب الرؤية الناظمة لطبيعة هذه التشكيلات الحزبية، فيما يظهر أن الهدف الأساسي هو جمع أكبر عدد ممكن من الحلفاء مهما اختلفت التوجهات السياسية والانتماءات والأيديولوجيات، ويتفق هؤلاء على أن بعضها أظهر نفسه بشكل منفر منذ البداية.
من حق هؤلاء القيام بما يرونه مناسبا ويعتقدون أنه يتماشى وفكرة التحول السياسي، لكن في الواقع فإن الطرق التي يتبعونها لا تستقيم ونضوج الفكر السياسي، خصوصا أن اللقاءات تحولت إلى مآدب للطعام، وفي كثير من الأحيان تجد نفس الأشخاص مدعوين عند أكثر من شخص يسعى لتأسيس حزب.
التحول إلى الحياة الحزبية لا يعني، بأي شكل من الأشكال، تأسيس عشرات الأحزاب ببرامج متشابهة أو غير قابلة للتطبيق، فأساس نجاح الحزب يتمثل بالقائمين عليه، ومضمون ومحتوى البرامج التي قام على أساسها الحزب وقدرته على تحقيقها أو إنجاز معظمها، فالوصول إلى قبة البرلمان أو تشكيل الحكومة البرلمانية يبدأ من قناعة الناس وإيمانهم بهذا الحزب أو ذاك.
الاندفاع الشديد نحو التأسيس كخطوة دون دراستها جيدا، يوقعنا في فخ السقوط المدوي في فكرة الحياة الحزبية، التي هي عنوان الإصلاح السياسي المنشود. وقد تكون هناك تسمية أخرى لما يحدث، قد نطلق عليها “العبث بعقول الناس” عبر برامج هلامية وخيالية كفيلة بوأد التحديث السياسي في مهده، فحين يكون الهدف الأساسي إنشاء حزب دون الالتفات إلى الفكرة وبرامج الحزب، ومدى قدرته في التأثير والإقناع، أو من دون امتلاك القائمين برامج عمل أو مقولات كبرى يسعون لتحقيقها، فإننا كمن يسير بمركب في وسط البحر دون بوصلة تشير إلى الشاطئ.
الخلل الواضح تماما لكل مراقب هو الغياب شبه الكامل للشباب عن هذه الحراكات، وهم الذين كنا نتمنى أن يقود بعضهم حراكا خاصا لتأسيس حزب ينضوي الشباب تحته، وأن يخوضوا غمار السياسة، فمن شأن ذلك أن يمهد لهم الطريق نحو مشاركة سياسية حقيقية، وتقلد مناصب متقدمة لن يحصلوا عليها في حياة الواسطات والتوريث والمحسوبيات. إنها فرصتهم لأنهم الأقرب إلى الناس والأقدر على التأثير عليهم. والحال ينطبق أيضا على المرأة والحركة النسائية.
المعطيات حتى الآن غير مبشرة، وأرجو أن أكون مخطئا، كما أرجو من الوزراء السابقين والسياسيين المخضرمين تغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة، وأن يذهبوا إلى تأسيس أحزاب قوية قادرة على تحقيق رؤى الإصلاح المنشود، بدلا من الاستحواذ، عبر المال وغيره من الوسائل غير الشرعية، على الحياة الحزبية بأكملها، وإعادتنا إلى المربع الأول حيث الأحزاب العديدة التي لا تأثير لها.
نريد أحزابا تمتلك رؤى وبرامج، ونتذكر هنا الراحل الحسين بن طلال في أعقاب الانفتاح الديمقراطي ما بعد العام 1989، حين بدأ عشرات الأشخاص بالتسجيل لاستصدار تراخيص لأحزاب جديدة، حينها قال “الازدحام يعيق الحركة”!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى