أقلام وآراء

البطالة في ظل أوامر الدفاع

سلامة الدرعاوي

صحيح أن معدّلات البطالة قفزت لمستويات قياسيّة غير مسبوقة على الإطلاق (25 %)، وتضاعفت خلال عشر سنوات، إلا أنها قد تكون أكبر من هذا بكثير لو لم تكن هناك أوامر دفاع، حيث وضعت تلك الأوامر عقبات وحدودا كبيرة لعمليات إعادة الهيكلة وتسريح العمال في ظل وباء كورونا.
والسؤال الذي يطرح في ظل تنامي الوباء واستمرار العمل بقوانين الدفاع هو كيف ستكون معدّلات حجم البطالة إذا ما تم انهاء العمل بأوامر الدفاع التي تخص العمل والعمال؟.
لا شك ان معدّلات البطالة ستكون أعلى بكثير مما يتم الإعلان عنه، ليس بسبب تداعيات كورونا، وإنما يمتد الأمر إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير.
فلو رجعنا قليلاً للوراء لبضع سنين خلت سنجد أن القطاع العام لم يعد قادراً على التشغيل وخلق فرص عمل جديدة نتيجة الأعداد الكبيرة التي تعمل بداخله وهي ثلاثة أضعاف احتياجاته الفعلية (219 ألف عامل مدني)، علما أن المطلوب قد لا يتجاوز في أفضل حالاته الـ(70) ألف عامل.
الملاحظ في القطاع العام انه وبموجب قانون الموازنة، فقد أوقفت جميع أشكال التعيينات باستثناء قطاعي الصحة والتربية وبعض الوظائف المحدودة في بعض الوزارات، بمعنى انه لا توجد قدرة للقطاع العام على خلق وظائف جديدة، وهو الذي كان في السابق يستحوذ على ما يزيد على 25 ألف فرصة عمل سنويّاً خاصة بالفترة الممتدة (2004-2007)، يقابلها نفس الرقم التشغيليّ والتوظيفي عند القطاع الخاص، لكن كان هناك في المقابل نموّ اقتصاديّ يصل إلى 7 % خلال سنوات تلك الفترة التي كان الاقتصاد الوطنيّ قادرا على خلق فرص عمل بحدود الـ56 ألف فرصة عمل سنويّاً، فكيف الحال عندما بدأ النموّ يتراجع اعتبارا من 2008 ولغاية يومنا هذا وبمعدل نموّ سنوي بحدود الـ2 %؟.
للأسف انه خلال السنوات السابقة انتقلت مشكلة التوظيف ” الزائد على الحمولة” إلى القطاع الخاص والذي استطاعت قوى مختلفة في المجتمع سواء أكانت رسميّة ام غير ذلك ان تتسلل إلى قرار التعيينات وملء العديد من الشركات والمؤسسات بآلاف العاملين فوق الحاجة الفعلية لتلك الشركات التي باتت مثقلة اليوم بأضعاف متطلباتها العملية من التوظيف، وكأن مشكلة التعيينات انتقلت من القطاع العام للقطاع الخاص، وهذا من الاسباب أيضا لارتفاع البطالة بشكل كبير وعدم القدرة على خلق فرص عمل جديدة.
هذه الشركات والمؤسسات في القطاع الخاص ومع تراجع معدّلات النموّ فيها بدأت تفكر جديا بإعادة هيكلة أعمالها وخاصة في مجال العمال لديها قبل أزمة كورونا، لكن نتيجة نشاط النقابات العمالية وقوانين وزارة العمل التي تضع أيضا شروط تعجيزية لإعادة الهيكلة ومقاومتها في بعض الأحيان، لم تتمكن تلك الشركات من القيام بتسريحات عمالية إلا في أعدادٍ محدودة تصاحبها حوافز ماليّة كبيرة للمسرحين، لكن الغالبية من الشركات بقيت تخسر ماليا مع وجود عدد كبير من الفائض العمالي لديها والذي لم تستطع اتخاذ أي تدابير بحقهم.
مع كورونا تفاقم الوضع المالي للقطاع الخاص الذي أجبرته الحكومة تحت أوامر الدفاع المختلفة على عدم العمل مع دفع أجور العمال لديه بنسب متفاوتة، وتطوّر الوضع بعد ذلك بالمساهمة في جزء من رواتب العاملين من خلال برامج مختلفة مخصصة لذلك، وبقيت المشكلة تتفاقم، تراجع في النشاط الاقتصاديّ مع بقاء حجم القوى العاملة لديه بموجب أوامر الدفاع.
والسؤال المطروح هو إلى متى سيبقى القطاع الخاص صامداً في هيكلة الأعداد العمالية الزائدة لديه؟.
شخصيا أنا متأكد من انه دون كورونا ولو كان الأمر للقطاع الخاص لقام بإعادة هيكلة أكثر من 25 % من العاملين لديه، ومع كورونا وتداعياتها خاصة على القطاعات الصغيرة والمتوسطة، فإن هذه النسبة ستكون أكثر بكثير، لو لم تكن هناك أوامر دفاع تحد من سياسات إعادة الهيكلة، ولكانت البطالة فعلا وصلت لمستويات مخيفة غير مسبوقة أبداً، وهذا ما يستوجب من الحكومة التفكير جديا في تعزيز صمود القطاع الخاص، وتوفير مظلة دعم لاستمراريته وتعزيز قدرته التوسعية حتى لو كان ذلك دعماً مباشراً من الخزينة، فالمشهد الآخر سيكون خطيراً للغاية في حال تفاقم أزمة البطالة، وتراجع القطاع الخاص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى