من هنا وهناك

“السباق الرمضاني” آخر قشة تتعلق بها الدراما العربية…

عين الاردن .. عن النهار

رائد الأعمال المفكر حسن اسميك …

انتهى شهر رمضان المبارك، والذي مضى كما كل عام بسرعة خاطفة وبلمح البصر، ليترك قلوبنا في لهفة وشوق ليعود هذا الشهر الكريم في السنة القادمة، بكل ما يشتمل عليه من الروحانية والتقوى والتعبد والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وبكل طقوسه وعاداته وتقاليده، سواء تلك المتعلقة بالطعام والشراب، أم الاجتماع ولمّ الشمل بين الأسر والأصدقاء والأحبة، أم حتى التسمر أمام شاشة التلفزيون لمتابعة فيض المسلسلات والإنتاجات الدرامية التي تُعرض على مختلف القنوات العربية من المغرب إلى الخليج ومن مصر إلى سوريا.
لم أستخدم مصطلح “فيض” هنا من فراغ، فقد شهد هذا العام بالفعل كمَّاً كبيراً من المسلسلات والأعمال التلفزيونية، هذا بحسب التقارير الإعلامية عن هذه الأعمال لا بحسب متابعتي لها، إذ تجاوزت الإنتاجات المصرية وحدها 35 عملاً، وإذا أضفنا إليها نظيراتها السورية والخليجية والمغاربية، سنصبح حكماً أمام عدد هائل من المسلسلات التي لا يمكن لأحد متابعتها كلها، ولا حتى الجزء الأكبر منها. ومن الطبيعي أن تستحوذ أعمال من دون غيرها على اهتمام المشاهد العربي، وأن تأخذ لنفسها الحصة الأكبر من المتابعة والمشاهدة، والجدل والنقاش أيضاً، وسأتطرق بعد قليل إلى هذا الأمر بشكل أكثر تفصيلاً، وسأمر كذلك على بعض هذه الأعمال.
لكن، ما أريد أولاً أن أتحدث عنه هو حال الدراما العربية بالعموم، وأن أطرح سؤالاً عكسياً، فلا أسأل كيف سيكون شهر رمضان من دون المسلسلات والأعمال الدرامية، بل أسأل كيف سيكون واقع الدراما العربية لو لم تتحول إلى “تقليدٍ رمضاني”، اعتاد الناس  متابعتها والاهتمام بها وصارت كأنها من طقوس الشهر الكريم، وارتبطت به ارتباطاً شديداً، وإلى متى سيظل الشهر الكريم “منقذ” الدراما العربية والقشة التي تتعلق بها أملاً بالنجاة؟
لا يعني كلامي هنا أن الدراما العربية سيئة أو أنها تفتقد مواصفات ومعاير الجودة المطلوبة من هذه الأعمال بالعموم، لكن الزمن اليوم قد تغير، أقول ذلك لأني أنتمي إلى جيل تصحُّ فيه تسمية الـ “مخضرم”، فقد عشنا –نحن أبناء هذا الجيل– الأيام التي كانت فيها الدراما توحد العرب كلهم حولها، وتبني لهم ذاكرة جمعية شبه متطابقة، عندما كان العالم العربي كله، من محيطه إلى خليجه، يتابع القنوات ذاتها تقريباً، وبالتالي المسلسلات ذاتها. ولا أظن أن أحداً من أبناء جيلي سيجهل مسلسلات مثل “ليالي الحلمية”، أو “حمام القيشاني” أو “رأفت الهجان” أو غيرها الكثير، مهما كانت جنسيته…
وقد وصفت أبناء جيلي بالمخضرمين لأننا اليوم نعيش عصراً مختلفاً، فقد تسارعت عجلة الزمن بنا إلى حد بات فيه الجلوس أمام التلفزيون في وقت محدد كل يوم لانتظار بث “مسلسلنا الأثير” أمراً صعباً للغاية، ومضيعة للوقت أيضاً، في زمن منصات البث الكبرى، التي تعرض لك ما تريده من مسلسلات من دون عناء الانتظار، ومن دون إعلانات ودعايات تُضيِّع وقتك وتُشتِّت انتباهك، وتضع أمامك كل الإنتاجات المحلية والعالمية لتختار أنت من ما لذَّ وطاب، وتتابع حلقاتك بالكم الذي يحلو لك وفي الوقت الذي يناسبك.
هذا عن جيلنا، فكيف الحال إذن بـ “الجيل Z” أو ما يعرف بجيل الألفية! لقد لحظت من خلال متابعتي لمواقع التواصل الاجتماعي، وفي خضم الجدل الكبير الذي كان يُثار في منصاتها حول بعض المسلسلات الرمضانية، أن جلَّ اهتمام هذا الجيل كان منصباً في مكان آخر تماماً وعلى مسلسلات أخرى لم نصنعها نحن العرب، مثل “فارس القمر” الذي عُرض أخيراً وهو من إنتاج استوديوات مارفل (مع العلم أن مخرجه مصري ويستوحي في أحداثه من الحضارة والآلهة المصرية الفرعونية القديمة، وقد تم تصوير بعض مشاهده في الأردن)، ومسلسلات لم تعرض بعدُ حتى، ولم يظهر منها إلا مشاهدُ تحفيزية قصيرة مثل “آل التنين، الذي ستعرضه شبكة HBO، وهو قصة مرتبطة بمسلسل “صراع العروش Game of Thrones” الشهير، ومن تأليف كاتبه ذاته “جورج ر. ر. مارتن”.
ومن هنا يرى مختصون بالشأن الفني والدرامي على وجه الخصوص أن الدراما العربية ستفقد الكثير من المتابعين في المستقبل إذا لم تجد طريقها نحو منصات البث العالمية تلك، وسيتراجع بالتالي دورها وتأثيرها، وستنخفض مردوديتها المادية وبالتالي الاهتمام بإنتاجها، لكني لا أرى أن الوصول إلى هذه المنصات أمرٌ مستحيل، ولا أراه صعباً حتى، وبالمقابل ومن خلال متابعتي لبعض الأعمال الدرامية، والتي جاءت متأخرة بعد انقضاء الشهر الكريم، تأكدت أن حال الدراما العربية بخير، ويمكن أن تستمر بلعب أدوار مهمة في مجتمعاتنا، إذا استطاعت بالفعل تحقيق ما هو مطلوب منها… ما يحيلنا مباشرة إلى السؤال حول: ما المطلوب من الدراما؟
كثيراً ما اختلفت أنا والأصدقاء عند مناقشة هذا السؤال البسيط، وأعلم أن كثيرين يختلفون مثلنا حول الإجابة عنه، حتى وإن كانوا من أهل الاختصاص أو من أصحاب الخبرة، فالبعض يرى أن الدراما هي تجسيد للواقع المعاش تنقله بأمانة تامة، حسنه وسيّئه، حلوه ومرُّه، مهما بلغت الصورة من قتامة أو من القسوة أو حتى من العنف، ويرى آخرون أن على المسلسلات أن تعكس صورة الواقع لكن من دون أن تكون فجة، فتعتمد الترميز والإشارات والرسائل المبطنة… هناك من يرى أن الدراما التلفزيونية مصنفة ضمن الفنون ويقع عليها ما يقع على عاتق أي نوع من أنواع الفن –وهذا بدوره مختلف عليه، إذ يرى كثيرون أن الفن بحد ذاته غاية، ومجرد إنتاجه هو الهدف النهائي، وهؤلاء هم أنصار نزعة “الفن للفن” المثيرون دائماً للجدل، وقد ناقشت جانباً من رؤى هذه النزعة في مقال نشره موقع “النهار العربي” بتاريخ 13 حزيران (يونيو) تحت عنوان “هل حقاً كل ما هو مفيد قبيح!”. هنالك قسم إضافي آخر يرى أن الدراما تنضوي تحت فئة “الترفيه” فيجب أن تكون مسلية وممتعة؛ وهذا ما كان أفلاطون يرفضه بشدة، وأن تكون قادرة على إخراج الناس من مرارة الواقع إلى عالم أجمل وأمثل، قد يكون مرغوباً أو منشوداً، وقد يكون متخيلاً بالكامل؛ وهذا ما كان أفلاطون يطلبه بشدة.
يطول الجدل حول كل رأي من هذه الآراء وحده، ويمكن تقديم الكثير من الحجج حول صحتها وخطئها، أضف إلى أنها بطبيعة الحال جدلية وحمَّالة أوجه، وتتبع لتفضيلات الأفراد، والحاجة التي يريد كل شخص إشباعها عند متابعته للمسلسلات، سواء أكان ذلك في الشهر الكريم أم في أي وقت من أوقات العام. أمَّا عن رأيي الشخصي في هذا السياق فأنا أرى أن الدراما –أولاً وقبل كل شيء– هي منتَجٌ إبداعي، من حيث النص ومن حيث الصورة والإخراج ومن حيث الموسيقى، وطبعاً من حيث التمثيل والأداء، ولا يجب التهاون في أي من هذه المكونات لحساب أي هدف آخر، فهي سر نجاح العمل ومفتاح وصوله إلى الجمهور. كذلك يجب على الدراما، حتى لو لم تكن قادرة على صناعة القيم والمعاني، أن تقوم على الأقل بعرضها بأفضل صورها وأبهى حللها، بأسلوب مباشر، وحبّذا أن يكون غير مباشر، بما يضمن وصولها إلى المشاهد بالشكل الذي يضمن إحداث تغيير إيجابي –مهما كان طفيفاً– عنده، كذلك يمكن لهذه الأعمال أن تقدم عرضاً عن الواقع، مع توخي عدم الوقوع في شرك الابتذال أو المبالغة لخدمة أهداف تجارية، وفي الوقت ذاته يجب ألا تغفل الدراما أو تتعامى عن موضوع أو قضية، إرضاءً لمجموعة أو خوفاً من ردِّة فعل أخرى.
قد يختلف معي البعض، فيرون أنني أقدم معادلة مستحيلة التحقيق، إذ من بالغ الصعوبة أن يجمع مسلسل واحد ما بين الجمال في الصورة والقيمة في المحتوى والابتكار في القصة والإبداع في الأداء… لكن مرة أخرى لا أظن أن هذا أمر مستحيل، ولدي مثال على ذلك واضح وقريب، وقد تم عرضه في الشهر الكريم، أقصد مسلسل “جزيرة غمام”…
لم تُتح لي متابعة المسلسل خلال رمضان، لكن شدني إليه تكرار ذكره على ألسنة الأصدقاء، ناهيك بالإشادات التي حصل عليها في مواقع التواصل ومقالات النقد الفني، فدفعني الفضول الحميد لمشاهدة بعض حلقاته، لأجد مصداق ما سمعت عنه من الحلقة الأولى، بل والثواني الأولى من مقدمة المسلسل “التيتر”، والتي تنقلك من خلال كلماتها وموسيقاها على الفور إلى صعيد مصر، وتهيئك لتستمع إلى “حدوتة” مصرية صعيدية بحرية، عن الطبع والهوى، وعن النفوس والقلوب –الغنية والفقيرة، عن البصر والبصيرة، عن الحب والصداقة والأخوة والدين والإيمان، وعن “الزوبعة” المجازية التي تتهددها كما تهدد الزوابع القرى والمدن الساحلية…
تتلخص القصة بأن شيخ “جزيرة غمام” البلدة الصعيدية على ساحل البحر الأحمر، يموت ويترك من بعده ثلاثة مريدين، ويتضح أن كل واحد منهم يمثل اتجاهاً معيناً في مقاربة الدين، أولهم “محارب” ويمثل “الدين السياسي” المقرون بالتعصب والأخذ بالظاهر الحرفي للأحكام، وثانيهم “يسري” الذي يمثل “الشعوذة والخرافة”، واستغلال الدين في مصالح الدنيا، أما ثالثهم وهو المفضل عند شيخه صاحب البصيرة النافذة فهو “عرفات” الذي يمثل “التصوف” ويجنح الى الرفق والمحبة ونبذ العنف… ويصادف أن يدخل البلدة أغراب سيمثلون لاحقاً الشيطان (خلدون) وجماعته، ويدور صراع في البلدة حول السلطة والزعامة، ينتصر فيها المريد المتصوف على خلدون ويتصالح مع محارب ويسري، ليخلف شيخه بعد صراعه مع الجميع، وبعد أن يشتد عوده في الدين والسياسة والحكم والعلاقات بين الناس وغيرها من القضايا المهمة، ويموت الشيطان. ومع ذلك ينتهي العمل بعودة الشيطان مرة أخرى وبصورته ذاتها، بعد وفاة الشيخ عرفات وانتقال المشيخة الى مريدين ثلاثة جدد… لتستمر قصة الصراع الأبدية بين الخير والشر، العابرة للزمان والمكان، والتي تتجسد كل مرة بشكل مختلف.
يشرح العمل مفهوم الحقيقة والحب الإلهي والمعرفة الصوفية، كما يتضمن رموزاً مهمة حول العلاقة مع المال والنساء والقتل والتعليم وحياة الإنسان ورسالته ووجوده. ينتهي العمل لتكريس التسامح الديني والبعد من التعصب، ويستلهم رموزه من عناصر دينية متعددة منها قصة أصحاب الكهف وقصة موسى والخضر وحياة المسيح ورحلة البحث عن الحقيقة القلبية الإيمانية.
يأتي هذا المسلسل في غمرة الاضطراب والغليان الذي أصاب منذ عشر سنوات الكثير من المجتمعات العربية، وكأنها تعيش الزوبعة حقيقة، ليعرض فكراً معتدلاً ودعوة الى التسامح والمحبة وقبول الآخر، وليقدم تشخيصاً دقيقاً ومهماً عن أزماتنا العربية الحالية، بطريقة غير مباشرة، وعبر منهج رصين يجمع بين سلامة القلب وسلامة العقل وائتلافهما، مستنكراً تماماً أن يكون الإنسان ذا بعد واحد، ومن ثم فإن الحقيقة المتصلة به ليست واحدة. وأظن أن الاعتقاد بهذه المسلمة فقط كان سيغني البشرية عن آلاف الحروب والصراعات.
ثمة أمر آخر أراني مدفوعاً للإشارة إليه، وهو أن المسلسل طرح الإشكالية ذاتها التي تمثل العصب الرئيس في الفكر العربي خلال القرن والنصف الماضيين، والتي تناولتها النخبة العربية كثيراً، لكنها بقيت مستبعدة من اهتمامات الشعوب والأفراد العاديين، أقصد هنا إشكالية العلمانية وعلاقة الدين بالسياسة، لكن هذا العمل الدرامي أتاح للجمهور أن يطلع عليها ويكوّن موقفاً فكرياً تجاهها من دون أن يخوض في أي من التعقيدات النظرية والجدالات الفلسفية حولها، فـ”جزيرة غمام” وبلدتها تضم قائداً دينياً هو الشيخ، وآخر مدنياً يمثل “العمدة”، وبين القائدين علاقة لم تكن جيدة دائماً، لكنها كانت شفافة بالمطلق ومتوازنة القوى، يغلب فيها العمدة أحياناً بقوة السلطة والقانون، وأحياناً يغلب فيها الشيخ بقوة البصيرة والعقل، لا يخشى العمدة أن يتخذ الشيخ مستشاراً أميناً له، ولا يتردد الشيخ في دعم المشروع الإصلاحي الذي يقوده العمدة، وكلاهما آمن جانب الآخر، وبذلك استطاعت هذه المعادلة توصيف ما يحمي المجتمع من طمع العدو الخارجي، ومن تعصب ومغالاة العدو الداخلي.
هذا مثال عما افتتحت به المقال في الحاجة إلى الدراما والغاية منها، والأمثلة الأخرى ليست قليلة، ما يعني أن الدراما العربية ما زالت قادرة على أن تكون مثيرة ومستفزة وشيقة وجديرة بمتابعة المشاهد العربي وبخاصة جيل الشباب، وعلى أن تكون منافسة أيضاً على المستوى العالمي الأعم، فتحمل الرسائل والعِبر لمتابعها المحلي، وتنقل صورة إيجابية محملة بقيمنا العربية، الدينية والمجتمعية الراقية، والتي تستحق أن يضاء عليها وأن يتم إيصالها إلى العالم الذي لم تُرسم في مخيلته –للأسف– إلا الصور النمطية السلبية عن مجتمعاتنا وعن إيماننا وعن العلاقات فيما بيننا نحن العرب والمسلمين… لذا أرجو أن تستمر الدراما العربية على هذا الطريق والمنوال، سواء عُرضت في شهر رمضان المبارك، أم في أي وقت آخر من أوقات السنة، فلا تعود تقليداً مقتصراً على الشهر الكريم، بل منصة للإبداع والإبهار والترفيه وتقديم العِبر والأمثولات، ولا أظن أن صناعها وممثليها يفتقدون للمخيلة وللابتكار وللمواهب والثقافة والمهارة التي تمكنهم من الوصول بها إلى مصاف العالمية…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى