ضوء في نهاية النفق

أبوغزاله يُحذّر… العالم يتجه للأسوا والأفظع

العالم يتجه للأسوا والأفظع لأن قادة الدول العظمى مصرون على المضي في الطريق التي قادت للوضع الراهن

ابو غزاله يستعد  لعقد “ملتقى البحث الدولي” لدعوة حكماء عالميين غير حكوميين لدراسة القضايا الدولية الخلافية؛ الرئيسة، واقتراح حلول لها، وعرضها على طاولة المفاوضات لصناع القرار الدوليين

إنعدام التواصل البشري والإنشغال بـ بروغندا الحرب والعقوبات قد يؤدي لأن تعلن الرقمنة

محمد شريف الجيوسي

حذرً المفكر العربي والعالمي، طلال أبوغزاله، قادة الدول العظمى، من  المضي على ذات الطّريق التي أوصلت العالم إلى ما هو ونحن عليه، منوهاً بأنه في حال الإستمرار فإن الأسوا والأفظع مما شهناه سيحدث.

وكشف أبوغزاله، عن أنه سيدعو لـ (ملتقى البحث الدّولي* ــ”قمّة البوسفور) للإنعقاد، ودعوة فريقٍ دوليّ من حكماء العالم (من غير الحكوميين)؛ لتشكيل مجلس لدراسة القضايا الدولية الخلافية؛ الرئيسة، واقتراح حلول لها، وعرضها على طاولة المفاوضات لصانعي القرار، الذين سيجلسون بعد الحرب، (كما يحصل في نهاية كلّ حرب) للإتفاق على نظام عالمي جديد، منوهاً بأن الأمل ضعيف -من خلال معرفته المباشرة- بإمكانية حصول مفاوضات مجدية قبل نهاية الحرب.

ورَدَ ذلك في ختام مقالة عنونها أبوغزاله بـ (أقول ورزقي على الله: القادم أسوأ) تناولت المقالة 10 محاور رئيسة؛ من الشاق جداً أن تكون مقبولة جميعها من جميع؛ المعنيين بمضامينها، لإفتقارها لـ (الشعبوية الدولية)** وللمجاملات التي قد تخدم مصالح مجموعته.. لكنها لا تتوفر على حلول جادة لتجنيب العالم كوارث حرب أو حروب مدمرة، فاختار التوجه بمفردات غير مواربة دقيقة المعاني.

ولأن هذه المقالة تختلف عن غيرها من الرسائل المفتوحة والحوارات على الفضائيات والبرنامج المميز الذي قدمه أبوغزاله على قناة (RT) العالمية، وغيرها من المحاضرات واللقاءات والزيارات.. ولأنها تتناول موضوعات تبدو متباينة، لكنها متكاملة بنتيجتها النهائية ـــ فإني أنوه بعناوينها الداخلية؛ لملاحظة تسلسل أفكارها؛ كما يلي: التحول الرقمي ـــ الصراع على أحادية النظام الدولي ـــ الدولار كعملة دولية ـــ عملة بريكس كمنافس دولي ـــ تحديات الحروب ومظاهرها ـــ تراجع العولمة ـــ فشل النظام العالمي ـــ القادم أسوأ ـــ الحل الديمقراطي بين الدول وفي داخلها ـــ نداء إلى حكام العالم.

قد يبدو افتتاح المقالة بالتحول الرقمي بإعتباره من جهته محتما، خارج موضوعها العام، لكنه عندما يؤكد أن التّعاملات ستصبح بين الدّول والأفراد “رقميّة” دون تواصل بشريّ.. ما يعني أن الرقمنة سيتسارع تحكّمها في حياة الإنسان بدرجة قد تفوق قدرته على التّكيّف معها أو وقفها، إن لم (تتخذ الإجراءات اللازمة لمواكبة هذا التطوّر) .. وباعتبارها شيئاً طارئا على البشرية، فإنها في غياب التواصل البشري آنف الذكر، ستُحكم سيطرتها الكاملة وتغزو نشاطات إنسانية جديدة، ما سيمكنها من إتخاذ  قرارات الحروب.. فالمستقبل لـ (الثّورة الرّقميّة بكامل تجلّياتها؛ لا لما هو تّقليديّ، حيث بات فاقدا لـ الصّلاحية، والمستقبل).

بهذا المعنى قد تقود الثورة الرقمية لخروج الرقمنة عن (طوع) البشر وإتخاذ قرارات الحروب وإشعالها معاً، فلا يملك الإنسان مهلة التفكير بخياراتها والتحكم بها، ما لم تتخذ إحتياطات مناسبة مسبقاً.

وهكذا قد نجد أن الإمساك بـ (مفتاح) الحروب والتحكم بمنظمة الأمم المتحدة وبالعالم، قد إنتقل من القطبية الواحدة إلى الرقمنة، وكما القطبية الواحدة فإن هذه الأجهزة، لن تكون خاضعة (إلى قانون دولي، ولا إلى مبادئ التعامل السليمة بين الدول، ولا إلى معايير العدالة، ولا إلى احترام حقوق الدول الأخرى أو مصالحها المشروعة) وبالتالي فإن الرقمنة سترث الأسوأ من ممارسات القطب الواحد من (شنّ للحروب، والعدوان، وفرض العقوبات، والهيمنة، ومن سيطرة وابتزازات وتهديد وترهيب) بل وأكثر، ستكون مجردة من أية مشاعر أو تقديرات غير ميكانيكية، فهي تعمل تلقائيا بغير إرادة وفق ما هي عليه من برمجة متهورة..

ذلك أن القطبية الواحدة ستكون منشغلة بـ (بروغاندا) تسويغ كل شيء يتصل بـ (الجريمة الدولية) حتى لوكان ضحاياها أقرب الحلفاء والتابعين والمريدين والدول العميلة أنظمتها، كما ستكون منشغلة بتطوير الرقمنة على نحوٍ مجرد ميكانيكي وتلقائي بما يساعدها على فرض سياساتها وغطرستها وحروبها العدوانية، وبالتالي قد يصل تطور الرقمنة؛ حدّ إتخاذ القرار والتنفيذ معا.

ولا يعني الحديث عن مساويء أحادية القطبية؛ أن البديل النموذجي لها ثنائية القطبية، وإن يكن ذلك أفضل نسبياً من الأحادية، حيث تقيم الثنائية نوعاً من التوازن الدولي الردعي ؛ لصالح الدول والأمم والشعوب الضعيفة والفقيرة ولصالح الذين خارج معسكريْ الاستقطاب، من أن يستغلوا من أحد طرفي المعادلة الدولية.

لكن ثنائية القطبية تحتمل خطر توافق القطبين، وهذا ما حدث فعلاً، في أوقات بعينها،وإتخاذ تفاهمات مجحفة بحقّ من هم خارج معادلة الثنائية، لا تتطابق مع القانون الدّوليّ.

لقد اتخذت أحادية القطبية من الدولار سلاحاً فتاكاً ضد كل من يخالفها الرأي أو المصلحة راهنا ومستقبلاً، مقتصرة حروبها العسكرية المباشرة على أطراف أضعف كـ أفغانستان والعراق وليبيا وغيرها.. فالحرب على أفغانستان –مثلا- هي حرب غير مباشرة مستقبلية ضد الصين، والحرب على العراق تمهيدية للحرب على إيران وسورية والمقاومة اللبنانية، والحرب على ليبيا حرب محتملة قد تُستوجب لاحقاًعلى الجزائر وتونس ومصر.

وكان الدولار سلاح حروب كبيرة وصغيرة، على دول أكثر أهمية كالصين وروسيا وإيران وتركيا*** ما جعل منه وجه خلاف دولي عميق ؛ آخر، كعملة قياس، مكنت الولايات المتحدة الأمريكية من إستخدامه سلاحاً فتاكاً، بالتزامن مع بدء فترة أحادية القطبية لمعاقبة وحصار دول بعينها، وأخضع النظام المالي العالمي للدّولار الأمريكي الذي أصبح المرجع الوحيد لكافّة العُملات والتّعاملات بين جميع دول العالم، ولم يعد ممكناً إجراء أيّ معاملة مالية دون المرور عبره: فلا بيع، ولا شراء، ولا استيراد، ولا تصدير، ولا إستفادة من العُملات الوطنية للدّول المعاقَبَة.

وهكذا تفاقمت ظاهرة العقوبات الاقتصادية، ما إنعكس سلباً على اقتصادات العالم كافة (بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي) ودفع بالتالي إلى نشوء توجه بإصدار عملة بديلة  لدى مجموعة (بريكس)**** بخاصة.

وأدى هذا التحكم باقتصادات العالم، إلى توجه دولٍ كبيرة متضررة، كروسيا والصين ودول صديقة أخرى، إلى التفكير بإيجاد نظام مالي بديل عن الدولار.

وحتّم هذا التوجه، أن الولايات المتحدة ومن معها لم تكتف باستخدام سلاح الدولار، بل تعدته إلى أستخدام أساليب حصارات أخرى، كالثورات الليلكية والإحتلالات الجزئية وسرقة الثروات أو تدميرها وتصدير الإرهاب واللعب بأسعار البترول والكميات المصدرة منه،وتحريك الأحداث السالبة للإستقرار ومناخ الإشاعة والتحريض والتشويه..

الأمر الذي زاد من سعي الدول الراغبة بالإنفكاك عن سطوة الدولار، والخلاص من أحادية القطبية، بدءاً (بجهود الصين طرح بديل للتداول المالي عن الدولار يبدأ في إطار دول معينة، ثم يتوسّع).

والعمل جارٍ الآن لإنشاء عملة احتياطية دولية تعتمد على سَلّة عملات دول مجموعة “بريكس”، وهو ما كشف عنه بوتين في منتدى أعمال “بريكس” الذي عقد أخيرًا، حيث (يجري تطوير آليات بديلة موثوقة للتّسويات الدولية، ونظام نقل الرّسائل الماليّة الرّوسيّ مفتوح لربط بنوك هذه البلدان معا، ومن الواضح إتساع جغرافية استخدامه “ويطلق عليه مسمى “مير”).

ولا بد أن هذا لن يكون حجْراً على الدول المبادرة به، بل سيكون مفتوحا أمام دول ترى ذات التوجه كـ إيران وفنزويلا وكوريا الديمقراطية وكوبا والجزائر وسورية، وأمام دول أخرى في إفريقيا، ولدى دول أخرى في أمريكا اللاتينية أسفرت انتخاباتها في ألـ 15 عاماً الأخيرة، عن بروز أنظمة سياسية خارج عباءة الهيمنة الأمريكية.

ويلفت أبوغزاله الإنتباه إلى أن أدوات الهيمنة الأمريكية الغربية تشمل أيضا صب الزيت على نار الصراعات والحروب والكوارث المتتابعة؛ والإكتفاء في أحسن الحالات (بالتصريحات الفارغة، وإعلان الأمنيات الباهتة في المنظمة الدولية)، بل والتسابق على (التحريض والحصارات والعقوبات وشحن الأسلحة والمرتزقة والإرهابيين وقطع التواصل وهدر المقدرات وخلق المزيد من الأزمات)، بديلاً عن عدم التصعيد وحل الأزمات، وعن الحيلولة دون تفاقم مسبباتها، ونموذج أوكرانيا مثال حي.

وفي واقع عجز الأمم المتحدة عن القيام بواجباتها في حل الأزمات ومن بينها أوكرانيا، من الطبيعي أن تنكفيء الدول المتضررة من هذا العجز على حماية مصالحها بذاتها، ما يفرض أكلافا على حساب البناء والتنمية والثروات والمقدرات، وبالتالي نشوء خنادق جديدة، وتراجع العولمة، لصالح حماية المصالح الوطنية للدول التي تكاد مصالحها أن تستباح.

وبتراجع العولمة -التي سهلت الإنتقال والإتصال والتعامل والتعاون وتبادل المصالح وتقارب الشعوب وإزالة الحواجز- رغم أن هذه المزايا لم تكن كاملة ولا مطلقةً لكنها كانت في حالة إضطراد، بالتزامن مع ما يتوفر عليه العالم، من نزعات تطرفٍ وعنف وما ينطوي عليه من إرهاب ودم وإرتكاب فظائع***** .

لقد وجدت جماعات إرهابية مستولدة، في تسلط أنظمة تابعة، أو فيما تسميه أمريكا ديكتاتورية أنظمة ليست على ولاء للغرب، أو في تعريض مصالح وأمن دول للخطر فرصة للإنقضاض، وبتشجيع من الغرب وتدريب وتمويل وتمرير الخ، طرحت هذه الجماعات المتطرفة شعارات مذهبية وطائفية وإثنية، وجرى إرتكاب فظاعات وجرائم حرب وتنزيح قسري وتدمير للمقدرات وخلق للنعرات وتكريسها.. كل هذا أسهم في تراجع العولمة، لتحل محله التخوم وإغلاق الحدود أمام تنقل الناس والتبادلات التجارية، بل وفرضت حصارات.

بالطبع لم تكن العولمة خيراً في كل شيء، فقد حملت في طياتها الفوضى، التي تعود إلى طبيعة النظام الأحادي القطبية وما يليه والأمم المتحدة، حيث لم تستغل وتؤطر في صالح البشرية، بل جيرت جوانبها السلبية ضد مصالح دول وشعوب وأمم.

يؤكد أبوغزاله أنه (عندما يصلح النظام الدولي تصلح معه أمور كثيرة أخرى، وعندئذٍ ننتقل من زمن الحروب، والصّراعات، وسباق التّسلّح، والتّخلّف،، وانتشار الأوبئة، والمآسي الإنسانية، وانتشار ظاهرة اللجوء، وتدمير البيئة، وهدر المقدرات المتاحة، ونشر نزعات الكراهية، والتّطرّف، والإرهاب الأعمى، ضد المجتمعات والأفراد ـــ إلى عالم يسوده الأمن، والرّخاء، والازدهار، والتّقدّم، والسّعادة، والتّعامل النبيل بين الشعوب في ظلّ حماية نظام دوليّ نزيه، وحكيم، وفاعل).

ويرى أبوغزاله أنه في ظل ما سبق، فإن العالم منفتح على تحديات عديدة، ذكر منها 17 تحدياً،من بينها: صعود الصين ونقص الغذاء والدواء، والطاقة، والعملات، الكساد والغلاء، حوكمة الإنترنت وتحديات البدائل، التلوث البيئي، نقص المياه، الأوبئة، العقوبات والحصارات الاقتصادية، الملكية الفكرية وسلاسل التوريد.

مشدداً بأن حل هذه الأزمات يكون بوضع نظام دولي ديمقراطي جديد، ملتزما بميثاق أممي يساوي بين حقوق الدول، ويوفر لها الحماية الدولية اللازمة من أي اعتداء، أو تجاوز من أيّ طرفٍ كان.

ولن يتحقّق هذا الوضع، (بنص أبوغزاله) دون الاتفاق الصّادق بين الدول العظمى على احترام المنظمة الدولية، وقانونها، وميثاقها، وإلغاء حقّ (الفيتو) الذي ميّز (5) دول عن بقية الدول الأعضاء في المنظمة الدولية البالغ عددها أكثر من (193) دولة. دون ذلك سيبقى النظام الدولي مشلولا، وعاجزًا عن تحقيق أيّ قدر من مقتضيات الميثاق، التي من أهمها الأمن والسّلم الدوليين. دون ذلك تنتشر الحروب والصراعات والأزمات الاقتصادية، ويستمر تدمير البيئة؛ نتيجة عدم التزام الدّول المتنفذة بإجراءأت حمايتها، جراء تعارضها مع مصالحها الصّناعية والتجارية والاقتصادية بعامة.

ووجه أبوغزاله النداء؛ مجدداً، إلى الدول العظمى بالجلوس معاً قبل أن تستفحل الحرب وتفرض عليهم الجلوس، كبديل عن الاحتكام إلى السّلاح والتدمير قبل البناء؟ والإتفاق على نظام دولي تنفّذه (منظمة الأمم المتحدة) وأجهزتها المختلفة.

وفي حال عدم الاتفاق، يرى أبوغزاله أن على حكماء العالم (قول كلمتهم) والتلاقي لوضع نظام وقانون أمام القادة؛ ( لعلهم يبصرون الحكمة ويهتدون بها).

وهي الدعوة التي رأيت أن أبدأ بها المقالة، لا أن أختتمها بها.

_______________________

* يرأس أبوغزاله الملتقى فخرياً ؛ مند تأسيسه قبل 10 أعوام.

** الشعبوية الدولية، تعني توجيه أفكار تستهوي المتصارعين الدوليين ولا تقدم حلولا قابلة للتطبيق .

***(تعتبر حرب الدولار على تركيا خارج معادلات المعقول فهي كيان نيتوي تربطه علاقات وثيقة بواشنطن والغرب الأوروبي وإسرائيل، وكان سببها صفقة الصواريخ الروسية).

**** تولدت كلمة “بريكس” من الحروف اللاتينية الأولى المكونة لأسماء الدول صاحبة أسرع نمو اقتصادي في العالم، وهي: البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا (BRICS).

***** سهلت العولمة لعصابات تبييض العملة وتجارة البشر والجريمة المنظمة والإرهاب والمخدرات الخ من الإنتشار والتوسع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى