ضوء في نهاية النفق

قراءة في فكر وطروحات طلال أبوغزال

 

بقلم: محمد شريف الجيوسي

عين الاردن …

لم يحدث أن تجاوز المفكر العربي والعالمي الدكتور طلال أبوغزاله؛ المنطق والحقيقة والواقع؛ في طروحاته متعددة الأشكال من حيث وسائل التقديم والطرح لها، لكنه ومنذ عدة أعوام تجاوز مراكز أبحاث ودراسات إقليمية ودولية ووسائل إعلام ومفكرين كبار في طروحاته، التي إعتبرها البعض بمثابة نبوءآت، أو تنجيم!؟ لجهة شدة وضوحها ودقتها، وشجاعتها والجزم بوقوعها، والحديث في تفاصيلها.

عشق أبوغزاله بطبيعته؛ التحدي وكانت تفرحه (المشكلات) كما يقول عن نفسه، وبذات الوقت هو رجل واقعي، لا يركن للوهم والأحلام المضللة والخيارات التي هي ليست خيارات نجاح وتفوق، يستغرق بالتحديات ليفوز في نهاياتها، ولا يطرح أوراقه لكي يخسرها، بل ليضاعفها؛ وهو متيقن بذلك، وإن طال وقت التحدي.

قد تتباين تفاصيل الأحداث التي يطرحها أبوغزاله، في جُزئياتها، وتتابعها، لكنها دقيقة في نسقها العام ومآلاتها، قد يبدو للبعض أنه متباين حين يجزم –مثلا- أن الحرب في أوكرانيا ليست أوكرانية، ويقطع بأنها ستمتد وتطول، لكنه في آن يوجّه رسائل مفتوحة لوقفها، ويعمل على تجنيب العالم كوارثها، وفي آن أيضاً يحبّذ وقوعها، بما تحتمل تغيْرات تصوّب التاريخ في مواضع، وتكون فرصة لإستعادة العرب كرامتهم وحقوقهم ودورهم، بخاصة إن أستَبَقوا النهايات، بما يُتوجب من صناعة تاريخٍ ومجريات دون إنتظار النتائج، بل المشاركة في صنعها.

ومن هنا رأيناه يدعو القادة العرب لأن يستمزجوا مبكراً رأي بعضهم فيما عليهم أن يتخذوا من مواقف، بمواجهة هذه الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية بالوكالة، حتى وإن لم يتمكنوا من إتخاذ قرارات حازمة جازمة، ورغم حساسية إتخاذ موقف في مثل هكذا مسألة، فالدول المؤثرة إقتصاديا (دول النفط والغاز) في أغلبها على علاقات تاريخية متجذرة مع أمريكا، ويفترض والحالة هذه الإستجابة لمطالبها بإتخاذ مواقف عملية تنتصر فيها لمصالح واشنطن في الحرب، إلا أنهم ولأول مرة لم يتخذوا موقفاً منحازاً لها، وإن لم يكن ضدها ولا منحازاً لروسيا، إلا أنه لا يلبي بحال مصالح الولايات المتحدة، ولا يستثيرها في آن ما (يضطرها) لإتخاذ مواقف معادية لدول الخليج النفطية.

والسؤال، هل أسهم أبوغزاله في تنبيه (العرب) إلى ضرورة صناعة التاريخ واستباق الحرب، دون إنتظار نتائجها، وإن لم (يفهموها) على هذا النحو من العمق الإستراتيجي، بل شاركوا هذا التوجه بأقل قدر من التكاليف دون أيديولوجيا وضجيج ثوري وحرب صاخبة، بل واستخدموا علاقاتهم الإستراتجية مع الغرب بعامة في تمرير موقفهم، وكسبوا المزيد من (مودة) روسيا التي نمت علاقاتهم بها في الأعوام الأخيرة السابقة على حرب أوكرانيا، وبدوا وكأنهم على قدر محترم من المواقف المبدئية عند المفاصل التاريخية المهمة.

ومن مزايا أبوغزاله، أنه بقدر تشابك مصالحه ومصالح مجموعته مع المؤسسات الأممية والغربية بما فيها واشنطن، إلا أنه على قدر عال من المواقف المبدئية المعلنة دون مواربة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، مستذكراً بثقة وفخار أنه لاجيء فلسطيني، ووصوله إلى هذه المكانة على غير صعيد لم يكن في معزل عن ذلك فقد كانت محرّكه في تعزيز التفوق عمن أجتث نصف شعبه من وطنه واحتل الأرض وأحل مكانهم من ليسوا أهلها وعاثوا فساداً وحروبا وفتنا واحتلالات في المنطقة.

ومن مواقفه الإقتصادية السليمة والمبدئية في آن، حثه الدول والشعوب المضطرة للمال؛ عدم الاقتراض من مؤسسات رأس المال العالمية وبخاصة البنك والصندوق الدوليين، وعدم الإنصياع لبرامج هذه المؤسسات (التصحيحية)، باعتبارها حقيقة برامج مدمرة لإقتصادات الدول المستدينة والمطبقة لتلك البرامج، وحاثا على الإعتماد على تحقيق الأمن الغذائي الذاتي وإن كان مكلفاً بالقياس للإستيراد، واتخاذ أبوغزاله هكذا مواقف لن دون كلفة.

ومن هنا رأينا أبوغزاله لم يكن ليسلك الطرق السهلة اللينة، التي تحقق المصالح سراعًا، وإنما الوسائل والأساليب والمسالك التي تزاوج بين القناعات السليمة وبين المصالح المتسقة مع العلم والمعرفة وما يتصل بهما من تطور تكنولوجي وتقني ورقمي خطوة بخطوة، وملاحظاً ثغرات المنافسين والخصوم والأعداء العاديين منهم والوجوديين، ولم يكن النجاح بالنسبة له يتحقق بوصول أعلى درجات السلم، بل سلالم دون حصر، وكل أحدها بدرجات أكثر من سابقه.

وفي (ديبلوماسيته) لم يكن ليعنيه التعامل مع الأشقاء والأصدقاء، من خلال التباينات والشروخ، وإنما التوافقات والتشابكات وعناصر التاريخ والجغرافيا والديمغرافيا والمصالح المتلاقية على الأرض وفي الواقع، الأمر الذي يضيّق رقعة الاختلاف ويعظّم التوافقات والتفاهم، وهكذا بنى أسس تعاون متينة لمجموعته ولمن تعاون معهم أشقاء عرباً وأصدقاء، منعشاً مصالحا كادت تندثر ومولداً مصالحا جديدة، وموثقا علاقات وطنية وقومية وإيمانية وإنسانية وعلمية وتعاونية حسب واقع الحال لكل حالة وعلاقة، رغم ما بين هؤلاء جميعا من تباينات وربما تناقضات، وعجز دول عن تحقيق مثل هذه الديبلوماسية الناجحة.

والجميل أن أبوغزاله لم يكن لينظّر على الآخرين فيما ينبغي عليهم أن يفعلوه أو يتّبعوه، وإنما كان يبدأ بنفسه وبمجموعته، فعندما يتحدث مثلا عن الأمن الغذائي، يعمل على إستثمار حديقة منزله، بحيث تنتج العديد من الإحتياجات، وعندما يتحدث عن إمكانية العمل عن بُعد وضرورة التوجه نحو الرقمنة، لم يكن لينتظر حدوث كارثة تضطره لتطبيقها، بل يستبقها، ومن هنا رأينا مجموعته، لم تتأثر بجائحة كورونا، ولم تضطر لتسريح أي من العاملين في مكاتبه المنتشرة على مساحة العالم، بل شغّلت آخرين أيضا خلالها.

وفي دعواته لإتباع الإبتكار والاختراع والتعلم بديلاً عن التعليم في الجامعات، نراه ينهج ذلك في جامعة أبوغزاله، فلا يتخرج الطالب بموجب إمتحان تقليدي، وإنما بإختراع أو إبتكار منتج ما يضيف جديدا للعلم وللبشرية ويسد حاجة ما.

ورغم إنشغالاته العديدة وإمتداد عمره حيث بلغ حتى الآن (85) عاما، فإنه على متابعة دقيقة لأحداث العالم ولمدى إنعكاساتها على البشرية والسلم العالمي، وعلى قدرة عالية بربطها ببعض وتحليلها وإدراك مآلاتها، بل والتحذير مما تنطوي عليه من مخاطر وكوارث، ولا يتوقف عند هذا الحد، بل هو معني جداً بما ينتظر العالم والبشرية من مغبة التطورات البيئية الخطيرة، في حال إستمرار التلويث الراهن للأرض والغلاف الجوي ومصادر المياه والطبيعة بعامة، والذي تتسبب بمعظمه الدول العظمى كالولايات المتحدة والصين وأوروبا الغربية وروسيا، فيوجه رسالة مفتوحة للأمين العام للأمم المتحدة،داعيا لخطة طريق عالمية تجنب العالم بمجموعه كارثة بيئية كونية لا راد لها ما لم تُستبق بخطط قابلة للتنفيذ وملتزماً بها.

وكما هو أبوغزاله، معنياً بالشباب والأمة والتطور المنهجي في التعلم والرقمنة، كان في محاضرته المبدعة على مدرج جامعة دمشق، قبل أسابيع ـ والتي أبدعت إدارة الجامعة في تقديمها،على شكل محاور، وقدمت لكل محور فيديو أعد بإتقان لجوانب تتعلق بموضوع المحور، مما سبق وتناوله المحاضر أبوغزاله حيث ركز على تقديم تجربته وتجربة مجموعته فيما يتعلق بمستقبل الشباب والأمة، وختم مؤكداً أنْ المستقبل لأمتنا، ما كان له أروع الأثر في نفوس الحاضرين بالمدرج الذي غص بالحضور.

بكلمات، ونحن نلاحظ اعتناء الغرب بالإستفادة من علم وتجربة ومفاهيم أبوغزاله وسواه من المفكرين والعلماء، وبعضهم يكاد لا يسمع بهم أحد، وفي حالة عوز شديد، أقول نحن كأمة مطالبين ومعنيين أكثر بوضع دراسات منهجية عن أبوغزاله وعن أمثاله تدرس في مؤسساتنا التربوية والتعلمية، ليس لأجلهم، وإنما لأجل أجيالنا الصاعدة والأمة.

 

___________

إيميل: m.sh.jayousi@hotmail.co.uk

  

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى