أقلام وآراء

التسامح وحرية التعبير

عين الاردن

نهلا عبد القادر المومني … الربط بين السعي إلى مزيد من التسامح في المجتمعات وبين مزيد من المساحة الخاصة بحرية التعبير، قد يبدو ارتباطًا غريبا من نوعه، لا اساس له، أو لا أرضية مشتركة صلبة تجمع المفهومين أو لا وثاق يشدّ المفهومين ويقارب بينهما بصورة مباشرة.
إلا أنّ وقفة على مسافة مستنيرة الابعاد، واضحة الزوايا تكشف أنّ هناك علاقة عضوية غير قابلة للانفكاك بينهما؛ فالمتسامحون اكثر، والمتقبلون للآخر أكثر والذين يصنعون من الاختلاف فرصًا لتطوير ذواتهم وتطوير المجتمعات، هؤلاء ينهضون في مناخ تسوده حرية التعبير أكثر، واطمئنان عميق بأن ما يؤمنون به مهما اختلف عما يؤمن به الآخرون فلن يواجه إلا بالقبول والاحترام.
كثيرة هي المعطيات والأحداث والدروس البشرية التي أثبتت أنّ الكبت والصمت عن التعبير عما يجول داخل الانفس لأسباب متعددة أبرزها عدم وجود محيط يعزز حرية التعبير، هذا الكبت دائما ما يجد طريقة اخرى ليعبر عن ذاته من خلال عدم قبول الآخر ورفضه وعدم القدرة على احتواء الاختلاف والتنوع والعيش بإطار من التسامح المجتمعي، ببساطة لا يمكن أن تجد مجتمعا ديمقراطيا حقيقيا، يقوم عماده الأساسي على حرية التعبير، يضوج بكره الآخر كنهج حياة، لا بل أن الحوار والانفتاح وحرية التعبير تجعل الآراء تتقابل وتتفاعل، فتدفع الفكرة بالفكرة والكلمة بالكلمة فيزيد الوعي المجتمعي وقدرة الافراد على تمييز الصالح من الغثّ، وهو الأمر الذي عبر عن القضاء الدستوري المصري عندما أشار في معرض حديثه عن أهمية حرية التعبير وما ينتج عنها من حوار الى الآتي: «.. ليكون هذا الحوار كاشفا عما يكون صائبا من عناصرها او باطلا من دخائلها، فالآراء حين تتقابل تتفاعل فيما بينها ولا يبدو زيفها أو اعوجاجها إلا من خلال قذفها بالحق، ليكون تدليسها زهوقا وبذلك وحده يظهر ضوء الحقيقة لتفرض نفسها على من يقبلونها أو يرفضونها..»
تأتي هذه الافكار بمناسبة اليوم الدولي للتسامح الذي اعلنته الأمم المتحدة في السادس عشر من شهر تشرين الثاني، والتي أكدت على أن التسامح يتعزز بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر، وأن التسامح لا يعني التنازل او التساهل او تقبل الظلم بل هو قبل كل شيء اتخاذ موقف ايجابي فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الانسان وحرية الفرد ان يتمسك بمعتقداته وان يقبل في الوقت ذاته أن يتمسك الآخرون بمعتقداتهم.
إن رفض الاختلاف والتنوع اي عدم اتخاذ التسامح خريطة طريق هو اضعف انواع التعبير عن الذات، لا يلجأ إليه الا الانسان العاجز فكرا وعملًا والعاجز عن التعبير عن افكاره بانسيابية وبحرية، لذا فإن المعادلة الواقعية والمنطقية والعلاقة العضوية تشير الى أن البحث عن تسامح اكثر، يعني بالضرورة مزيدا من حرية التعبير ومزيدا من الحرية المسؤولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى