أقلام وآراء

أين مساهمات الأثرياء؟!

عين الاردن

علاء الدين ابو زينة  ..

كان أحد الأخطاء الكبيرة في مسارات الأردن، في رأيي، هو وضع الكثير جداً من أموال الأردنيين التي كسبوها في فترة “طفرة النفط” في العقارات الشخصية، بدلاً من الاستثمار في إنشاء مصانع أو في مشاريع سياحية أو زراعية مهمة، وضع الناس الملايين في بناء القصور والفلل الفاخرة. وأدى الإقبال على شراء الأرض إلى تحليق أثمانها وإثراء أصحابها، الذين وضعوا ما كسبوه من بيعها في بناء قصورهم الخاصة وشراء سياراتهم الفارهة، بعيدًا عن أي استثمار –ربما سوى قطاع العقار وبناء عمارات الشقق.
بطبيعة الحال، يبقى العمل في قطاع العقار استثمارًا، وشغّل الكثير من الناس. لكنّ التضخم في القطاع جعل عددًا أكبر من الأردنيين مدينين للبنوك معظم أعمارهم بأثمان الشقق وفوائد الدين، وفي المقابل يغلب أن تكون قيمة القصور والفلل الشخصية، التي قد يسكن في بعضها ثلاثة أو أربعة أفراد، مليارات الدنانير الساكنة التي كان يمكن أن تحرك السوق.
ولم يغير تراجع طفرة النفط العقلية، لم نجد لدى من تبقت لديه مصادر لجمع الثروة نزعات إلى الاستثمار في شؤون تطور الأداء العام للاقتصاد الوطني وتخلق الوظائف، ولم نجد فكرًا حكوميًا استراتيجيًا يشجع الاستثمار المحلي ولا الخارجي، والنتيجة أنها لم تتشكل للبلد هوية اقتصادية مقصودة يمكن تمييزها، فلا هو اقتصاد سياحة وخدمات، ولا اقتصاد تصنيع، ولا اقتصاد زراعي، ولا نحن بلد نفط وغاز باقتصاد ريعي واضح.
حسب تقرير منظمة “أوكسفام” الذي نُشر الأسبوع الماضي، “راكم أغنى 1 % من الأردنيين ثروة خلال الأعوام 2020-2021 تقدر بستة أضعاف ’ثروة‘ الـ50 % الأفقر في البلد”. بينما “استطاع 55 أردنيًا، (من يملكون أكثر من 50 مليون دولار)، أن يراكموا ثروة تقدر بأربعة أضعاف ونصف ثروة نصف الأردنيين مجتمعين (14 مليار دولار مقارنة بـ3.1 مليار دولار)”. وحسب صحيفة “الغد”، “أشار تسريب جديد للبيانات العقارية في دبي إلى ان 5.555 أردني يملكون أكثر من 13.000 عقار هناك تبلغ قيمتها السوقية أكثر من خمسة مليارات دولار، وهذه القيمة تشكل أربعة أضعاف الميزانية السنوية للتعليم في الأردن”.
لا حسد. ولكن، أين يمكن رؤية أي أثر لهذه الملايين والمليارات التي يملكها أردنيون في المجال العام؟ لماذا يضع نحو خمسة آلاف أردني أربعة مليارات دولار في عقارات في بلد آخر ولا يفكرون في إفادة بلدهم بشيء؟ ولماذا لا يفعل الـ55 أردنيًا ممن يملك كل واحد منهم أكثر من 50 مليون دولار شيئًا مما نسمعه عن المحسِنين في العالم الذين يتبرعون لتحسين أحوال مواطنيهم وأوطانهم؟
يكتب بيت بريز، مدير مركز العمل الخيري في جامعة كنت البريطانية: “عندما يتعلق الأمر بالعطاء الخيري، فإن معظم الأشخاص الذين يعيشون في المملكة المتحدة كرماء جدًا بأموالهم – حيث يتبرع معظمهم مرة واحدة على الأقل سنويًا، وحوالي الخمسين يتبرعون كل شهر. وفي المتوسط ، يتم التبرع بـ10 مليارات جنيه إسترليني كل عام لمجموعة متنوعة من الأسباب”.
ويضيف: “اكتشف تقريرنا الجديد أنه في العام 2015 ، تلقت 35 جامعة بريطانية تبرعات بمليون جنيه إسترليني أو أكثر. وتلقت الجامعات الثمانية غير التابعة لأوكسبريدج عدة تبرعات من سبعة أرقام – بما في ذلك بعض الهدايا الفردية التي تبلغ 10 ملايين جنيه إسترليني أو أكثر”.
التعليم وجهة يدعمها الأثرياء في العالم المتقدم، ولا نعرف عن تبرعات يُعتد بها للجامعات الأردنية الرسمية من خريجيها الذين فتح الله عليهم أو رجال الأعمال، ويمكن التفكير في كثير من الأسباب التي تحول دون قيام صلة تكافلية بين الجامعات وخريجيها ومجتمع الأعمال، لكنّ ديمومة هذه المؤسسات بسوية عالية مهمة لأبناء المرء وأحفاده وجيرانه، بل يفيد الخريجون الأكفياء مشاريعَ وربحية الأغنياء. وعلى سبيل المثال، تستقطب المؤسسات الأميركية التي تتبرع للجامعات الكبرى الطلبة المتفوقين وتستفيد من عقلياتهم في تطوير نفسها، وتعيش أهم الجامعات هناك على تبرعات الأثرياء، ومنهم خريجيها المنتمين.
يكتب بريز: “أبحاث تغير الحياة؟ لقد قمت بتمويل ذلك”. وتلخص هذه العبارة أهمية الإنفاق على البحث العلمي، ربما، مثلًا، يكتشف باحث علاجًا لمرض يعذب المتبرّع الثري أو عزيزًا عليه. وربما يكتشف آخر آلة تغير جذريًا آفاق عمل صاحب مصنع؛ أو يحسّن باحثون في الإدارة طبيعة الأداء الإداري في المؤسسات والدولة جملة وتفصيلاً.
ويضيف بريز: “تخلق مجموعة الأنشطة التي تقوم بها الجامعات فرصًا تلبي المصالح الشخصية لكل متبرع تقريبًا. ويمكن أن يشمل ذلك تمويل البحث العلمي المتطور، وتقديم المنح الدراسية للطلاب المحرومين، أو دعم الفنون والأنشطة الثقافية والرياضية في الحرم الجامعي”. ولا ينسى الكاتب أن يذكر “الاتصالات” التي يكسبها المتبرع، والتأثير على ظهوره الاجتماعي إذا كان ذلك يهم. ولن يكون دعم طلاب العلم أقل خيرية من بناء مسجد إضافي حيث قد لا يلزم.
قد يتذرع البعض بأنه لا يضمن ذهاب تبرعاته إلى استحقاقاتها. لكن بالوسع ابتكار آلية للإشراف والمتابعة والمحاسبة، ويجب أن تضع الجامعات أيضًا استراتيجيات لمخاطبة الأثرياء من خريجيها ومجتمع الأعمال – ومعها ترتيب علاقات تكاملية أفضل بينها وبين طلبتها. هذا مجال واحد فقط مما يمكن أن يسهم به الأثرياء في العلاقات الجدلية للتفاعل الاجتماعي والنظرة البعيدة، في اتجاه تصحيح العلاقة بين المجتمع المدني والدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى