أقلام وآراء

استكشاف بارع للحقيقة والعدل

عين الاردن

كتب حسان التميمي –
من الصفحة الأولى، لا تمتلك إلا الانجذاب إلى عالم غني ومعقد، حيث يرشدنا المفكر العربي عزمي بشارة بعمق من خلال استكشاف الأفكار المعروضة لكتابه باللغة الإنجليزية “فلسطين: مسائل في الحقيقة والعدل”، مما يجعله من الضروري امتلاكه وقراءته لأي شخص مهتم (سياسي، أكاديمي، أو ناشط) يرى في فلسطين قضية مركزية.
ففي عالم تتوفر فيه المعلومات بسهولة، ونجد شحا ونقصا في الرواية التاريخية الفلسطينية وتعاظما في زيف الرواية الصهيونية، يكون لزاما وجود موارد ليست إعلامية فحسب، بل أيضًا مكتوبة جيدًا، وجذابة، ومثيرة للتفكير في عدالة القضية الفلسطينية، وإحدى نقاط القوة في هذا الكتاب في أسلوب كتابته الواضح والذي يسهل الوصول إليه، مما يسهل على القراء من جميع مستويات المعرفة فهمه، كما أن أحد الجوانب الأكثر لفتًا للانتباه في هذا الكتاب هو قدرة المفكر العربي على تناول موضوع معقد وغالبًا ما يكون مجردًا لكن بشارة، يمتلك موهبة لتحطيم الأفكار المعقدة وتقديمها بطريقة واضحة وموجزة، مما يسهل على القراء فهم السياق التاريخي والتفاعل معه.
فالقضية الفلسطينية صراع معقد ومتعدد الأوجه، وله جذور عميقة في السياق التاريخي والسياسي لأوروبا. إذ إن” القضية اليهودية “في أوروبا، التي أدت إلى اضطهاد وتشريد اليهود، متشابكة بشكل معقد مع القضية الفلسطينية سعت الحركة الصهيونية، التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر، إلى معالجة “القضية اليهودية” على حساب الشعب الفلسطيني أرضا وهوية، إضافة لارتباطً القضية الفلسطينية وثيقًا بالسياق السياسي الأوسع للشرق الأوسط والحرب الباردة الأولى حيث لعبت القوى الإقليمية والجهات الفاعلة الدولية دورًا مهمًا في تشكيل الصراع، وهذا ما يجعل من المهم أكثر من أي وقت مضى للقراء الغربيين أن يفهموا القضية الفلسطينية وتأثيرها على الشرق الأوسط والعالم. هذا الكتاب هو نقطة انطلاق ممتازة لأي شخص يتطلع إلى تعميق فهمه لواحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في عصرنا.
الكتاب جدير بالملاحظة أيضًا لبحثه الشامل واهتمامه بالتفاصيل. فهو ليس مجرد استكشاف نظري، بل يتعمق بشكل مثير للتفكير في المفهوم المعقد للعدالة، ويقدم منظورًا جديدًا حول كيفية الموازنة بين المبدأين الأساسيين للعدل والحرية. ومرد ذلك قدرة بشارة بقدرته على الإحاطة بشمولية القضية الفلسطينية، وتاريخها وحاضرها، بحكم تجربته الكفاحية الممزوجة بعمق فكري نقدي ونظريّ ليقدم لنا أدلة وحجج واضحة ومقنعة مفادها أن العدالة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا عندما تؤخذ المساواة والحرية في الاعتبار.
بالإضافة إلى تقديم نظرة عامة على الطبيعة الاستعمارية – الاستيطانية لدولة إسرائيل، يولي الكتاب أيضًا أهميةً خاصةُ لنكبة عام 1948، بوصفها ركيزة أساسية لفهم جذور القضية الفلسطينية، ويناقش، بشكل موسّع، القضايا والأحداث التي قادت إليها، وتخلّلتها، وما نتج منها.. لذا يقدم بشارة فحص قوي ومحفز للتفكير لأحداث عام 1948 وتأثيرها على الشعب الفلسطيني، ويتعمق في السياق التاريخي للنكبة، والأحداث التي أدت إليها، ويقدم فهماً دقيقاً وشاملاً للأسباب الجذرية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ويعلق الكتاب أهمية خاصة على النكبة باعتبارها ركيزة أساسية لفهم الشعب الفلسطيني.
فكما هو معلوم فإن فشل المواطنة في العالم العربي قضية معقدة ومتعددة الأوجه متجذرة في السياق التاريخي والسياسي للمنطقة. ولم يتم تبني مفهوم المواطنة في العالم العربي كما يفهم في الغرب لتستمر النزعات دون القومية مثل الطائفية والولاء العشائري بالهيمنة. فكان الافتقار إلى هوية وطنية مشتركة ومؤسسات وطنية قوية في العالم العربي أعاق قدرة الشعب الفلسطيني على تأكيد حقوقه والمطالبة بدولته، حيث أدى فشل المواطنة أيضًا إلى تفتيت المجتمع الفلسطيني، حيث كان العديد من الفلسطينيين أكثر ارتباطًا بمجموعتهم الخاصة، وقد أدى ذلك إلى انعدام الوحدة وعدم وجود استراتيجية موحدة لتحقيق أهدافهم، علاوة على ذلك، أدى فشل المواطنة في العالم العربي إلى جيل من الصراعات المحلية والإقليمية، مما أثر على القضية الفلسطينية أيضًا. غالبًا ما اتخذت هذه النزاعات طابعًا طائفيًا أو عرقيًا، وأعاقت قدرة الدول العربية على تقديم دعم حقيقي للقضية الفلسطينية.
يقدم بشارة، فحصًا مقنعًا ومحفزًا للتفكير للحركة الوطنية الفلسطينية ويقدم أفكارًا استراتيجية لإعادة بنائها. ويقدم تحليلاً مفصلاً لنقاط القوة والضعف في استراتيجيات المقاومة السابقة والحالية. ويؤكد أهمية بناء حركة، وطنية قوية، وموحدة، ومنظمة. وهو يعتقد أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتحقيق الهدف النهائي لتقرير المصير. تستند أفكار المؤلف إلى فهم عميق للنضال الفلسطيني، ويقدم مقترحات ملموسة وقابلة للتنفيذ لبناء حركة وطنية أقوى، كما يورد نصائح عملية حول كيفية إعادة هيكلة مؤسسات السلطة الفلسطينية السياسية، بما في ذلك آليات منهجية لدعم صمود الشعب الفلسطيني، طبعا مع قسم يتضمن الحديث عن نتائج اتفاقيات أوسلو على الشعب الفلسطيني وقواه السياسية والاجتماعية والوضع الحالي للبحث في هذا المجال.
بشكل عام، يعد “فلسطين: مسائل في الحقيقة والعدل”، ” مرجعًا أساسيًا لأي شخص يؤمن بعدالة القضية الفلسطينية وفهم السياق التاريخي والطرق التي يتم من خلالها إحقاق مبدأ العدالة في أي نقاش حول المظالم المتراكمة تاريخياً للفلسطينيين، وإضافة قيمة إلى الأدبيات حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ومساهمة مهمة في الحوار المستمر حول حقوق وتقرير المصير للشعب الفلسطيني “.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى