من هنا وهناك

اسميك يكتب : وادي السيليكون الأساسي

حسن اسميك

رئيس مجلس أمناء STRATEGIECS

 

ظهرت على مدى التاريخ الإنساني مفاصل ومحطات عديدة، أحدثت تغييرات ونقلات نوعية، وأثرت في الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات البشرية، مثل اكتشاف النار التي سهلت على الإنسان مصاعب الحياة، وأعطته الدفء والضوء وساعدته على الطهي (تقول الأسطورة اليونانية أن بروميثيوس سرق النار من جبل الأولمب وأعطى قبساً منها للإنسان)، ثم اختراع العجلة التي ساعدت الإنسان على سهولة وسرعة التنقل بين المدن والمناطق البعيدة، مروراً باختراع الكتابة التي سمحت للإنسان بتدوين وحفظ إنجازاته العلمية والثقافية والاقتصادية، وصولاً إلى اختراع الآلة وانحسار دور الإنسان لصالحها، والذي سمي بالثورة الصناعية التي غيرت حياتنا مرة واحدة وإلى الأبد.

قاد هذا التطور النوعي إلى دخول مفهوم السرعة والكثافة في الإنتاج، ليؤدي إلى حدوث قفزة علمية هائلة في مسيرة البشرية، وبروز حاجات جديدة رافقت هذه التطور، ما فتح المجال واسعاً أمام الإنجازات العلمية، والتي لم يكن تحققها ممكناً في السابق بل كانت ضرباً من الخيال، كظهور الحاسوب والسفر عبر الفضاء والأقمار الصناعية والترنزستورات والذكاء الاصطناعي، وقد كان القرن العشرين هو المحطة الأبرز لظهورها.

أدى ظهور الحاسوب إلى حدوث ثورة تقنية مكملة للثورة الصناعية، وكان لإنتاج هذه الحواسيب ومكوناتها، ودخولها في مختلف مفاصل الحياة العلمية والعسكرية والاقتصادية، دور في بروز الحاجة إلى وجود مناطق تخصصية لهذا النمط من الصناعات على مستوى المكونات، وعلى المستوى البرمجي، وهذا ما أدى إلى إنشاء وادي السيليكون.

ظهرت هذه الفكرة على يد كل من البروفسور فريدريك تيرمان إلى جانب عالم الفيزياء والمخترع الأمريكي ويليام شوكلي، وقد أصبح الوادي فيما بعد العاصمة التقنية الرائدة والأولى في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم، حيث يستضيف الوادي المقرات الرئيسية للعديد من الشركات العملاقة العاملة في مجال التكنولوجيا المتقدمة مثل: Apple, Google, Facebook, Visa, IBM, Chevron, Wells Fargo. والتي تنطلق منها مختلف المشاريع والخطط والأبحاث والتقنيات التي ترسم ملامح المستقبل البشري.

اهتمت الشركات الموجودة في وادي السيليكون بمجال الذكاء الاصطناعي وأنفقت عليه مليارات الدولارات، ورأت أن هذا المجال سيُحدث تحولاً عميقاً على المستوى العالمي، وسيدخل في مختلف مفاصل الحياة الاقتصادية والسياسية والتعليمية وغيرها، إذ يبدو أن هذه التكنولوجيا ستكون قادرة على توقع احتياجاتنا اليومية مثل طلب الطعام، وتنظيم درجة حرارة المنزل، والحفاظ على مواعيد تناول الأدوية، والبحث عن وظيفة جديدة، كما يجري العمل أيضاً على تطوير شرائح إلكترونية تُزرع في الإنسان وتحوي على معلوماته وبياناته الشخصية ووضعه الصحي، بالإضافة إلى وجود نوع من هذه الشرائح لمراقبة السجناء ومحكومي الإقامة الجبرية، وكثير من المهام الأخرى حتى في المجال العسكري.

يضاف إلى التطبيقات السابقة للذكاء الاصطناعي، استخدامها في الشؤون الاقتصادية، وذلك عن طريق تحليل البيانات وتقديم الاعتبارات التي تساعد صاحب القرار في اتخاذ قراراته، كما تستخدم البنوك هذه التكنولوجيا لتقييم درجات الائتمان واتخاذ قرارات أسرع حول طلب منح قروض للعملاء كما أنها تقوم بدراسة الاحتمالات المستقبلية والتنبؤ بها، سواءً فيما يتعلق بالوضع السياسي الداخلي أو الخارجي، بشكل علمي وقريب للحيادية، وذلك لضمان فهم الوقائع المعقدة بأفضل شكل ممكن، ومن ثم إمكانية توجيهها أو التحكم فيها.

من أبرز الأمثلة على الاستخدامات السياسية هو الانتخابات الأمريكية السابقة بين الرئيس الحالي دونالد ترامب والمرشحة الرئاسية السابقة هيلاري كلينتون. حيث قامت شركة (كامبريدج أناليتيكا) بتحليل البيانات الخاصة بنشاطات المواطنين الأمريكيين على الفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، من أجل مخاطبة واستهداف أشخاص محددين للتصويت للرئيس ترامب والتبرع لحملته الانتخابية.

قُسّم الناخبون إلى شرائح بحسب اهتماماتهم الشخصية، ووضعت خطط لتصميم إعلانات الحملة على الإنترنت وفقاً لهذه الشرائح. وقد قامت الحملة بنسخ آلاف الإعلانات لجمع التبرعات، وكان القائمون عليها يراقبون أي النسخ أعطت نتيجة أفضل من حيث التفاعل، لاستغلال النتيجة في زيادة حظوظ المرشح الرئاسي، وعليه يمكن الوصول إلى كل الناخبين في أمريكا بلحظة واحدة والتأثير عليهم، حتى قيل أن “الأخبار الكاذبة” التي نشرت على موقع الفيسبوك والإشاعات التي لاحقت المرشحة هيلاري كلينتون ساهمت بشكل كبير في خسارتها.

ساهمت كل هذه الأمور وغيرها في تكريس أهمية وادي السيليكون، كما شجعت الريادة الأمريكية في المجال التقني العديد من الدول لاستنساخ تجربة الوادي، بغية اللحاق بالتطور التكنولوجي المتسارع الذي تقوده الولايات المتحدة. وقد استنسخت هذه التجربة في كل من الصين والهند، بالإضافة إلى العديد من المراكز التكنولوجية الأوروبية والعالمية في لندن وستوكهولم وأمستردام وباريس وبرلين ودبلن، كذلك تسعى المملكة العربية السعودية إلى إقامة “وادي سيليكون” خاص بها، حيث تم عقد صفقة بين شركة ألفابيت (الشركة الأم لـ Google) وشركة النفط السعودية أرامكو من أجل بناء مركز تكنولوجي سعودي ضخم على غرار وادي السيليكون الأمريكي.

أدى استنساخ هذه التجربة إلى بروز منافسين للولايات المتحدة الأمريكية في الجانب التقني، وهذا ما يفسر قيام الحرب التجارية التقنية بين الولايات المتحدة والصين، حيث تسعى الأخيرة إلى الانتقال من عملية تجميع الأجزاء والقطع التكنولوجية، إلى إنتاج التكنولوجيا، حتى ولو عن طريق القرصنة، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى البقاء في الصدارة، متسلحةً بالتراكم الذي حققته على مدى عقود في المجال التكنولوجي، بالإضافة إلى احتوائها على العديد من المؤسسات التعليمية والبحثية العريقة التي تعد رائدةً في هذا المجال على المستوى العالمي.

ليس التنافس بين الدول هنا مقتصراً على امتلاك مناطق إنتاج تكنولوجيا متقدمة وقادرة على البحث وإنجاز وتطبيق الذكاء الاصطناعي، بل هدفه يتجاوزه “العلم من أجل العلم” إلى التحكم بـ “العالم” على مدى العقود القادمة وفرض الهيمنة السياسية والاقتصادية، والعلمية أيضاً، وربما التدخل في أنماط المعيشة والعادات الاستهلاكية اليومية للناس.. وغيرها من الأمور.

يضعنا واقع التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، أمام لوحة معقدة من الإيجابيات والسلبيات. أما الإيجابيات فأبرزها: تسريع عمليات الإنتاج نتيجة أتمتتها، وتزايد حلول الآلات في العمليات الإنتاجية ما يؤدي إلى تحقيق السرعة وزيادة الإنتاج والدقة والرفاهية، وبالتالي إشباع الحاجات المتزايدة، وزيادة الأرباح ودوران عجلة الإنتاج، وسرعة حركة السيولة المالية في العالم.

بالإضافة إلى تسهيل حياة البشر من خلال تيسير المعاملات البنكية ومعالجة الأمراض وسرعة الحصول على المعلومات والبيانات الشخصية من دون الحاجة إلى حمل الأوراق والبيانات الثبوتية بشكل تقليدي، وزيادة القدرة على دعم القرارات الإدارية والاقتصادية والسياسية من خلال تحليل البيانات، والتحكم بالأجهزة عن بعد، وحلول الروبوتات في الحياة اليومية، وغيرها من الأمور.

لا تنفي هذه الإيجابيات وجود سلبيات عديدة من قبيل: تزايد نسب البطالة نتيجة حلول الآلة مكان الإنسان في العملية الإنتاجية وفي العديد من المهام المكتبية وحتى في قيادة السيارات؛ وفقدان الخصوصية التي كان يتمتع بها الإنسان سابقاً، حيث أن كل شيء يخصه سيكون على شريحة إلكترونية، وكأن الإنسان اختُزِلَ بهذه القطعة المزروعة في جسمه، وأصبح مراقباً وكأنه يعيش تحت المجهر، ويمكن التحكم به وبحياته دون الأخذ بقيمه الإنسانية بالحسبان ولا تفرده ككائن ذكي وعظيم بقدراته وإبداعاته!

لقد فرضت التقنية إشكالية صعبة لقيت امام الفلسفة المعاصرة، وأصبح يُنظر إليها كانحراف للعلم، وفي هذا الإطار يصب نقد الفيلسوف هيدغر للتقانة والحداثة بما تحمله من خطر وتهديد للوجود الإنساني والكون.

أن الاستسهال في الحصول على كل شيء دون جهد سيؤدي إلى حدوث تراجع في القدرات العقلية والإبداعية وتحول باتجاه التواكل والكسل، وبالتالي خفوت الرغبة في الاستكشاف وحب الاطلاع وبذل الجهد في الحصول على المعلومات، ما ينعكس سلباً على الإنسانية جمعاء. وانطلاقاً من هذه الفكرة تطرح أسئلة من قبيل: ما هو المدى الذي سيصل إليه التقدم العلمي والتكنولوجي والذكاء الاصطناعي؟ وما مصير العلاقات والروابط الاجتماعية التي نعرفها، والمشاعر والأحاسيس الإنسانية، وكل ما يتعلق بالمجال الوجداني والعاطفي لنا كبشر؟ إلى أين نسير، وكيف سيكون شكل الحياة إذا طغت الآلة والروبوتات على الوجود البشري الإنساني؟ هل ستنقرض الحياة البشرية كما نعرفها، وما شكل بديلها؟

تبدو هذه الأسئلة غريبة، وتحمل في طياتها نزعة التشاؤم والعدمية! ولكن من حقنا بل وواجبنا ان نطرحها لأنها تعكس قلقاً وجودياً على مستقبل البشرية، لا يبدو بعدُ مستوجباً، فالحديث مازال مبكراً عن تفوق الذكاء الصنعي على الذكاء البشري، إذ ينحصر الأول بجزر صغيرة متطورة، في بحر متلاطم من التخلف، ومازالت قطاعات بشرية مختلفة تفتقر إلى التقانات الحديثة، وتتخلّف دول عديدة في العالم عن ركب التطور التقني. وفي حين تتعرف الكاميرات على وجوه المارة في بعض الدول، ما زالت دول أخرى تفتقد إشارات المرور في شوارعها؛ وفي الوقت الذي ترسل فيه دولٌ بعثاتٍ استكشافيةً لتبحث عن الماء في الفضاء الخارجي، مازال الناس في دول أخرى يجدون وصول الماء إلى البيوت ضرباً من الرفاهية.

في المقلب الآخر، قد يكون الهلع الذي يثيره التقدم العلمي والتكنولوجي وتطبيقات الذكاء الصنعي مبرراً –إلى حد ما، فمن الطبيعي أن يخشى الإنسان ما يجهله، والأمر مجبول بطبيعته البشرية منذ الأزل، فهو الذي “ألّه” يوماً الشمس والقمر والفيضان والنار، وفي مراحل تاريخية لاحقة أثارت العجلة والبارود والمحرك ذعره. وليس مستغرباً أن يخاف السرعة الخارقة التي يشهدها هذا التطور اليوم، فالتقدم التكنولوجي يسير بمتوالية هندسية، يبني أدواته ويراكم منجزاته بشكل تصاعدي متسارع، لذلك نرى أن المنجزات التي حققتها البشرية في العقود الثلاثة الماضية تتجاوز تقريباً كلّ ما حققته في تاريخها، وأن نحو 90% من مجمل العلماء عبر التاريخ هم اليوم على قيد الحياة، هذا أمر منطقي لا يجب أن يخيفنا.

ما يجب أن يخيفنا هو إساءة استخدام هذه الاختراعات والتقنيات، بدلاً من تسخيرها لصالح الإنسان، خاصة وأن التاريخ يزخر بأمثلة كثيرة على هذا النوع في الإساءة.

لم يركن الجنس البشري في السابق إلى ما لديه ويرضى به، ولن يفعل ذلك اليوم أو في المستقبل، ومهما سهّلت التكنولوجيا حياته، فنحن “محكومون بالتفكير” بطبيعتنا، فثمة جانب فلسفي ميتافيزيقي فضولي في عقولنا كما يرى الفيلسوف كانط، يدفعنا إلى التساؤل والدهشة والبحث وحب المعرفة والاطلاع والسعي المستمر إلى الأفضل. فالحاجة أم اختراعاتنا والتهديدات منبع فرصنا. وهل ثمة مبرر لأن ينشغل فلاسفة الحضارة ومفكريها بالقلق على “مستقبل البشرية”؟ أم أنهم يعتبرون السمات النوعية الجديدة التي سيحددها “وادي السيليكون” لحضارة قد لا تتعدى كونها حلقة جديدة في سلسلة الحضارات الإنسانية التي استقرت على أطراف الوديان منذ آلاف السنين.
إذا كان من إيجابيات التقدم التكنولوجي، ومن أهدافه في الوقت ذاته، زيادة الإنتاج وصناعة الرفاهية وتحقيق أقصى مستويات الترف الممكنة، فإن هذا ولا بد سيثير في الذهن سؤالاً مشروعاً حول أنه إلى أي مدى كان ابن خلدون محقاً في مقدمته الشهيرة عندما تعرض لأسباب ضعف الدولة وسقوطها وانحلال المجتمع، وما ينطبق على الدولة ينطبق أيضاً على العالم ككل، على اعتبار أن العالم اليوم محموم بالسعي الشديد لتحقيق الوفرة في الانتاج، ومن ثم الرفاهية والترف اللذين يترتبان على هذه الوفرة، خاصة مع تبني التوجهات الفلسفية الجديدة للمعرفة وعلاقتها بالآلة، والتي تكرس مقولة “العلم لأجل العلم” بعيداً عن أي قيد أو شرط قيمي أو أخلاقي أو غائي، فهل ستتحقق “النبوءة الخلدونية” حول فكرة سقوط الدول والمجتمعات بعلة الأثر الرجعي للترف والرفاهية؟

أيضاً، إن ما يدعم جديّة رؤية ابن خلدون هذه، موقف آلان دونو في كتابه “نظام التفاهة” والذي يصف فيه عصرنا الحالي بأنه مرحلة فريدة في التاريخ البشري، لكن هذه الفرادة ليست إيجابية على الإطلاق، حيث تتسيذد سيطرة التافهين على الموقف العالمي كله بحسب تعبير دونو، وقد قبضوا على كافة محاور “الدولة الحديثة”، واستطاعوا تجميع قواهم ليتمكنوا من السيطرة على مفاصل السلطة ونشر “التفاهة” في جميع نواحي الحياة، مستخدمين بذلك لغة وأدوات وشخصيات تافهة. فهل تصريح دونو هذا وموقفه من الحياة المعاصرة بكل تقدمها التكنولوجي والاقتصادي والرقمي الهائل هو نذير الخراب الذي حذر منه ابن خلدون قبل حوالي ستة قرون مضت؟ أم أن التقدم المتسارع في العالم هو فقط ما يوهمنا بأننا حقاً على أعتاب نهاية العالم؟ ومن هنا كانت دعوات هيدغر الى التفكير في المآلات التي تقودنا الى التقنية! ونحن نقول ان لم يسعفنا فكرنا الآن في ايجاد ما ينقذنا، فمتى سنفعل ذلك؟!

سيبقى هذا السؤال الأخير مفتوحاً.. فإما أن ينتهي العالم حقاً، وإما أن يصبح مجرد سؤال نلقي به خلف ظهورنا، لنتجاوزه إلى ما هو جديد في عصر وادي السيليكون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى