تكنولوجيا وانترنت

عن تنظيم قطاع التكنولوجيا الأمريكي

 

يتصاعد الجدل بين الفينة والأخرى عن الدور الاقتصادي والاجتماعي الذي تمارسه كبريات شركات التكنولوجيا في الولايات المتحدة، بالأخص بعد انتقال السجال إلى أروقة المؤسسات التشريعية والتنفيذية هناك. تقدم هذه المادة تحليلا للأحداث التي أحاطت بدعاوى تنظيم قطاع التكنولوجيا الأمريكي.

الكاتب STRATEGIECS Team

 

في عام 1911 أصدرت المحكمة العليا الأمريكية قراراً يقضي بتفكيك شركة “Standard Oil” إلى 34 شركة، على خلفية قضايا رُفعت ضدها بحجة مكافحة الاحتكار بعدما كانت تسيطر على أغلب مصافي النفط في الولايات المتحدة، كما اعتُبرت الشركة المذكورة من أوائل الشركات متعددة الجنسيات في العالم، إلا أن مصيرها كان التفكيك لأنها كانت – بحسب من وقفوا وراء هذا القرار – تشكل خطراً على استقرار الاقتصاد الأمريكي.

في الوقت الراهن، يوجد هناك بعض الأصوات السياسية في المجتمع الأمريكي التي تنادي بضرورة تفكيك كبريات الشركات التكنولوجية الواقعة في وادي السيليكون في خليج سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا، وذلك لسبب بسيط؛ لأنها لم تعد تُعتبر شركات تنافسية وإنما مُحتَكِرة لكل شيء، مما يُلصِق بها تهمة تهديد استقرار الحياة الاقتصادية في حال تعرضت إحدى هذه الشركات أو معظمها إلى أزمة مالية أو حتى تقنية، بالإضافة إلى التخوف من تأثيرها على القرار السياسي بالنظر إلى حجمها الكبير من حيث القيمة السوقية وانتشارها العالمي، الذي يثبته وجود مئات الملايين من المستخدمين من حول العالم.

إن دعاوى تفكيك شركات “Big Tech” الأمريكية ليست طارئة من الناحية الزمنية، ففي 1998 على سبيل المثال كانت شركة Microsoft”” على شفا حفرة من التفكيك إلى شركتين لولا معركة قضائية في المحكمة العليا والتي قضت في نهاية المطاف بالإبقاء على الشكل الحالي لها.

إن النظام السياسي الأمريكي بمختلف مكوناته والتيارات المتناقضة في داخله، لا يسمح بوجود سطوة اقتصادية وسياسية خارجة عن إطار المؤسسات الرسمية والمعنية بتنظيم الحياة العامة وصياغة السياسة الخارجية، وعلى هذه القاعدة يتم التعامل مع الفاعلين الاقتصاديين بشكل عام، لكن قد يقول أحدهم إن النشاط الاقتصادي هو من يقود السياسة العامة للدولة ويحدد مصالحها على الصعيد الخارجي، وهذا صحيح، إلا أن هذا النشاط لقطاع معين؛ إن لم يجد القاعدة السياسية المتينة التي تتيح له التعبير عن نفسه من خلالها، فسيكون من الصعب عليه أن يؤثر على القرارات المتخذة بشأن محطات تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية بشكل عام.

الـ “GAFA” أمام الكونغرس

عقدت اللجنة الفرعية الخاصة بمكافحة الاحتكار التابعة لمجلس النواب الأمريكي في أواخر يوليو 2020 جلسة استماع استغرقت حوالي الأربع ساعات، حضرها الرؤساء التنفيذيون لأكبر أربع شركات من الناحية السوقية في وادي السيليكون، والتي يشار إليها اختصاراً باسم “GAFA” (Google المملوكة لشركة Alphabet، وAmazon، وFacebook، وApple)، وعلى الرغم من أن تهمة الاحتكار هي التي وُجّهت بشكل غير مباشر لجميع هذه الشركات الأربع، إلا أنه لا ضير هنا من ذكر بعض تفاصيل سير الجلسة:

1. أظهر مؤسس ومدير موقع “Amazon”، جيف بيزوس، وأغنى رجل في العالم، نفسه وكأنه مالك لمنصة بيع تجزئة متواضعة، فذكر أن شركته تشكل قرابة 4% و1% فقط من سوق بيع التجزئة في الولايات المتحدة والعالم على التوالي.

2. لوَّح المؤسس والرئيس التنفيذي لعملاق التواصل الاجتماعي “Facebook”، مارك زوكربيرغ، بأن أي قيود عملية ستُفرض على شركته من شأنها أن تزيد من تغلغل الشركات الصينية على الساحة العالمية، كما أنها ستحد من القدرة على الكشف عن ومكافحة أي نشاط تجسسي خارجي.

3. نفى كل من رئيس “Apple”، تيم كوك، والمدير التنفيذي لـ “Alphabet” ، ساندر بيتشاي، تهم الاحتكار بشكل عام، وأشارا كالبقية إلى “الدور الإيجابي” الذي تمارسه شركاتهم في خلق فرص العمل والتعاون مع مختلف أجهزة الدولة.

بشكل رئيسي، يدافع مدراء الشركات التكنولوجية المذكورة وغيرها عن مواقعهم الاقتصادية، انطلاقاً من اعتقادهم بأنهم لا يخرقون أسس وأعراف النظام الاقتصادي الأمريكي القائم على سهولة حركة رؤوس الأموال وحرية المنافسة وغيرها من الخصائص، إلا أن سلوك هذه الشركات أصبح يهدد الابتكار ويقتل المنافسة؛ بحسب رأي العديد من السياسيين وقادة الرأي.

يرى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وجزء كبير من الجمهوريين أنه يجب وضع حد لشركات التكنولوجيا الأمريكية، لكن ليس من ناحية محاربة الاحتكار، وإنما بشكل يتيح المجال لنشر وجهات نظر الحزب الجمهوري بحرية وعدم حذفها أو فرض الرقابة عليها، وعدم الانحياز لآراء معينة ضد أخرى، وبالتالي يمكن الوصول إلى استنتاج مبدئي وهو أن الجمهوريين والديمقراطيين لديهم مشكلة مع شركات التكنولوجيا إلا أن منطلقات كل منهما مختلفة.

ففي 20 أكتوبر 2020، وجَّهت وزارة العدل الأمريكية بشكل رسمي تهمة الاحتكار بحق شركة “جوجل”، وشاركت في الدعوى المرفوعة 11 ولاية؛ في خطوة وُصفت بأنها الأضخم نوعاً منذ ثلاثة عقود، واللافت هنا هو إجابة المدعي العام، بيل بار، لدى سؤاله عن نية الوزراة في تفكيك الشركة، ليرد بأن كافة الخيارات مطروحة.

يُرجِع البعض القرارَ المذكورَ إلى تخوُّف الإدارة الأمريكية في ذلك الوقت – قبل الانتخابات الرئاسية – من تأثير شركات التكنولوجيا على التوجهات التصويتية للناخبين، ومن الممكن فهم الاتهامات التي وجَّهها ترامب لشركة “Google في يوليو 2020 في هذا السياق، حيث نادى بضرورة مساءلة الشركة عن تعاونها مع الشركات التكنولوجية الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي، وهذه ليست المرة الأولى التي تتدخل السلطات الأمريكية في عمل الشركات التكنولوجية، فقد شهد شهر نوفمبر 2017 تدخلاً رسمياً لإفشال اندماج شركة “AT&T مع شركة “Time Warner” المالكة لشبكة “CNN التي اتهمها ترامب بأنها تبث “أخباراً كاذبة”، إلا أن الاندماج تم في نهاية المطاف.

alqta-altknwlwjy-amryka-ajtma.jpg

وقد يكون هناك توافق بين الجمهوريين والديمقراطيين على أن الشركات التكنولوجية قد أصبحت “كبيرة جداً” إلا أنه ليس هناك إجماع على آلية التعامل مع هذا الحجم الاقتصادي والتقني المتشعب وغير المعتَرِف بالحدود الجغرافية والسياسية، فالسيناتور الديمقراطية والمترشحة السابقة للانتخابات الرئاسية، إليزابيث وارن، تقترح تفكيك هذه الشركات، ويدعمها في ذلك، السيناتور، بيرني ساندرز. وفي المقابل تدعو الغالبية لإيجاد وسائل تنظم عمل هذا القطاع الذي يعد أحد الأقطاب الفاعلة في قيادة الاقتصاد الأمريكي، دون إعطاء إيضاح أو أي تفاصيل لمضمون آليات التنظيم هذه.

بعيداً عن المنطلق المسيَّس الذي حكم علاقة إدارة ترامب مع وادي السيليكون، وبالأخص مع شركات وسائل التواصل الاجتماعي، فإنه من غير المحتمل أن يكون هناك اتفاق جمهوري ديمقراطي – في المدى القريب – على آلية تنظيم قطاع التكنولوجيا الأمريكي في ظل الاستقطاب الذي سبق وتبع الانتخابات الأمريكية، لكن من الممكن أن يتم تصعيد القضية لتصل إلى حد فرض غرامات مالية ضخمة إذا ما تم تصينف هذه الشركات بشكل رسمي على أنها كيانات احتكارية.

إن الشروع في تنظيم قطاع التكنولوجيا الأمريكي قد يترتب عليه اهتزاز في الأسواق المالية بحكم ما تشغله شركات هذا القطاع من مكانة كبيرة في البورصات، وبالتالي سيكون على من يفرض “التنظيم” سواء تضمَّن التفكيك أم لا، أن يقوم بطمأنة المستثمرين والدوائر الاقتصادية بأن هناك تفاهمات بين الحكومة والشركة المعنية.

أما بالنسبة للمنافسة الأجنبية، فإن الشركات الصينية تبدو غير مهتمة فيما لو تم تنظيم قطاع التكنولوجيا الأمريكي أم لا، فإنجازاتها في مجال الـ “High tech” بما فيها شبكات التواصل الاجتماعي تتكلم عن نفسها، وتواصل توسعها الكبير، إلا أن بعض الاضطراب في وادي السيليكون قد يصب في صالح الصين التي تتملك حكومتها فيه، وتساهم هناك في إدارة العديد من الشركات التكنولوجية.

وختاماً، تظهر لنا مفارقة كبيرة، فمن جهة هناك عدم استجابة من قادة وادي السيليكون لأي شكل من أشكال التنظيم الذي يمكن أن يضر الاقتصاد الأمريكي  بشكل كبير، ناهيك عن الترقب الصيني لما سيحصل. ومن جهة أخرى، فإن الإبقاء على الحال كما هو سيزيد من ضرب المنافسة في السوق، إلى جانب تقليل الضمانات فيما يخص عدم التدخل في القرار السياسي والاجتماعي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى