ضوء في نهاية النفق

صراع دولي فيمن تكون له الغلبة في فرض نظام عملةٍ عالمي بديل الاقتصادات العالمية الكبرى تعمل للتحرر من الدولار الأمريكي والعملة الرقمية الصينية تصعد .. صعود ” الرقمية ” سيفرض وضع نظام ضريبي عادل على أكبر الشركات العالمية

محمد شريف الجيوسي  

لا بد أن العملة في أهميتها وقوتها وتأثيراتها المختلفة ، وبخاصة في الدول العظمى ، تضاهي القوة العسكرية بل قد تفوقها ، وتدعم تلك القوة ، فتنعش دولاً أصغر أو تدمرها دون حروب تذكر عندما تتناقض المصالح أو تمارس تلك الدول سلوكيات تتنافى مع مفاهيم الدولة العظمى ، فتسقط عملتها الوطنية بتدابير غير مكلفة وتتحول الى دولة فاشلة بالتدريج ، وهو ما تعمل عليه الولاات المتحدة ا ومؤسسات رأس المال العالمية التي تقبض واشنطن على مفاتيحها .

وجراء هذه الأهمية الكبرى ، بدأت تتطور حربا سرية لم تعد كذلك ، للخلاص من هيمنة أمريكا وتسلطها على اقتصادات الدول والمجموعات الأخرى حتى الكبيرة منها ، من خلال الدولار وما يستتبع من مؤسسات كـ البنك وصندوق النقد الدوليين .

يقول المفكر العربي الدكتور طلال أبو غزالة ، في الحلقة 45 من برنامجه ” العالم إلى أين ” على قناة   RTبتاريخ 23 تشرين ثاني 2020 ، أن الدولار الأمريكي محل أهمية العالم ، أفراداً وشركات ودول ، وهو يرى أن سلاح الدولار أقوى وأجدى من السلاح العسكري وأخطر منه ، حيث تستطيع الولايات المتحدة القضاء على أي اقتصاد أو مسمى ووضعه على القائمة السوداء، الدولار سلاح مهم وقوي ومفيد ولكنه خطير أيضًا.

يضيف ، هنالك فجوة كبيرة في العالم في موضوع الدولار وفجوة مساواة وحاكمية ومحاسبة ورقابة، كما قال الفيلسوف (نعوم تشومسكي): “لن يمر البشر والأمم في تاريخهم بيوم أسوأ من هذا اليوم ” فيما العالم غير معني بالمستقبل ويركز الإهتمام على المواقف السياسية والصراعات الداخلية والحروب الأهلية.

واستذكر أبو غزالة مناسبتين لموقف الصين من الدولار ؛ أولاهما عام  1944 عندما رفضت ، أن يصبح الدولار عملة عالمية ، ولاحقاً وعلى مدى عقود لم يتغير موقفها من الدولار ، منوهاً بأنه عندما كان عضواً في مجلس خبراء المنظمة العالمية للتجارة، تقدمت الصين بطلب الإنضمام للمنظمة العالمية للتجارة، بشرط أن لا ترتبط العملة الصينية (اليوان ) بالدولار.

واعتبر أبو غزالة أن الموقف الصيني هذا ليس غريباً لبلد تمتد حضارته لـ 7 آلاف سنة ، وما هي عليه من تخطيط استراتيجي ونفس طويل،ومساحة إنسانية وكثافة بشرية .. ومثلها لا تتخذ قرارات إعتباطية ، دون الأخذ بالبعد التاريخي والجغرافي والمستقبلي، مشيراً إلى ” تسريبات” بأنها تجهز نفسها لإطلاق عملة صينية دولية ، وأنها بهذا ” العمق ” تعمل لأن تصبح دولة “لا نقدية” بعملتها الخاصة ، أي أن تكون جميع تعاملاتها إلكترونية.

واتخذت الصين مؤخراً ، قراراً إبتدائياً هاماً ، بمنع ربط تداول أسهم بورصاتها بما يعادله من سعر الدولار، ، فهي الدولة الوحيدة القادرة على طباعة مليارات أو تريليونات من عملتها دون أي قيود كما هو حال أمريكا، التي طبعت خلال السنة المنصرمة 3 تريليون دولار، ضختها في السوق الأمريكية لتحسين حركة البيع والشراء والتعاملات والإستثمارات.

وفي الصين بلغت نسبة المتعاملين بالعملة الألكترونية ، من خلال مؤسسات التبادل المالي الإلكتروني مثل  (Tencent) (WeChat) (Aliba نحو 80% ، أي أن الصين أكبر دولة تتعامل بعملتها الخاصة، وقد انتقلت بنتيجة تجارت قامت بها إلى المرحلة الثانية منها ، وأصبح القليل من الصينيين من يتعامل بالنقد الملموس وإنما رقميًا.

وتكرس منذ سنتين تقريبًا التعامل بعملة اليوان الصيني الرقمي ، بعد عمليات تجريب في عدة مدن ، فالصين يقول أبو غزالة ، لا تتخذ قرار لا تنفذه ، مثلما نفعل نحن للأسف ، بل هي تقوم بتجارب وصولاً للمطلوب.

ولفت أبو غزالة ،إلى أن هنالك مؤسسات مثل (فيسبوك) و(غوغل) تطبق هذه التجربة، ولا تمثل قلقاً للسلطة الأمريكية، فهي تعتبرها ظاهرة عرضية، ولو أنها كانت تمثل قلقاً لمنعتها ، فليس هنالك “لعب أو مزاح مع أمريكا في موضوع الدولار.”

واستذكر ابو غزالة أن الدولار أصبح عملة عالمية،  بعدما تنازلت بريطانيا عن الإسترليني ، ( كان قبل ذلك عملة احتياط في بريتون وودز ) ، فكان هو أهم منافس قبل الحرب العالمية الثانية ، وبتنازل بريطانيا أصبح الدولار ؛ العملة العالمية الوحيدة، ولم يكن ممكنا أن يصبح بهذه القوة لولا أنه كان ملتصقاً ومدعوماً من أقوى اقتصاد في العالم.

الدولار ليس مجرد عملة فهو أكثر بكثير من ذلك ، وما تناولته عنه هو جزء بسيط من هويته فالكل يتأثر بمستقبل الدولار إلا من لا يملك الدولارات وحسابات بالدولار وذلك ” أسوأ”

وبحسب خبراء المال والإقتصاد في العالم ، تمر أمريكا الآن في أزمة مالية حيث تعاني من عجز في الموازنة بمقدار تريليون دولار ، وهو رقم  لا يستطيع تحمله أي اقتصاد في العالم ، وطبعت بحسب خبراء في شهر حزيران 2020 من الدولارات ، أكثر مما طبعته خلال 200 سنة ، كما طبعت الصين أيضًا في بداية الأزمة لدعم الاقتصاد.

واستحضر أبو غزالة تصريحات قادة دول كبرى عبروا فيها عن الحاجة لعملة بديلة للدولار ، كـ الرئيس الفرنسي (ماكرون)، ورئيس وزراء بريطانيا السابق (براون) وقادة دول ألـ بريكس ؛ الأسرع نمواً في العالم : الصين وروسيا والبرازيل ودول هامة أخرى ، بالنظر لتطور اقتصادياتهم وإعتبارات أخرى ، حيث أن هذه الدول لم يعد ليرضيها الخضوع للدولار القادر على تدمير اقتصاد بحاله ، وكذلك الأمر للبنك الدولي.

واستعرض أبو غزالة خيارات بديلة من بينها استخدام العملة الرقمية الصينية  (بالإكراه )، وقتها بحسبه ؛ ستنشأ تحالفات تستخدم العملة الصينية الرقمية ، ما سيشعل حرباً هائلة، وفي حال إنقسم العالم  إلى التعامل بعملتين رئيستين ، سيتولد خللاً كبيراً في النظام المالي والمصرفي والاقتصادي العالمي.

يرى ابو غزالة أن البديل لهذا الانقسام ، والأفضل الاتفاق على حل.

ونقل عن  (داني فنسنت) قوله بأن “هنالك قوة  صاعدة تتمثل في اختراع الحكومة الصينية نظامًا ماليًا رقمياً رسمياً ، يُسمى ، الدفع الإلكتروني بالعملة الرقميةDCEP )  ، وهي تعتبر نسخة من العملة الصينية ولكنها رقمية” هذا ليس خيال ولا أحلام ، وهي جاهزة للإطلاق مبنية على أساس تقنية. (BLOCKCHAIN) الحديثة .

ورأى ابو غزالة أن هذه الطريقة ( ستؤثر على حياتنا بشكل كبير) ، متمنياً على وزراء الإعلام والمؤسسات التعليمية أن تعلّم ما هي تقنية (BLOCKCHAIN) ، منوهاً بأن المستقبل سيكون لـ القدرات التقنية و(BLOCKCHAIN)  ولـ (Big Data) ، ولـ الابتكار، والتطور، والتنافسية، وأن السيطرة ستكون لها.

وتوجه أبو غزالة بالنصيحة للصين إذا ارادت النجاح ، في صنع عملة عالمية، أن لا تقلد مشروعاً ناجحا، وإصدار عملة منافسة للدولار ، بل إصدار عملة مختلفة “وأن تجترح مشروعًا أكثر نجاحًا” ، منوهاً بأن الصين عَملت على مدى سنين طويلة لتطوير هذا النظام وفحصه محليًا على مئات الملايين من البشر.

ورد ابو غزالة على اسئلة شبابية، ماذا  يفعلون في ظل هذه الأزمة الكبيرة التي لم يشهد تاريخ البشرية مثيلاً لها ؟ هل يشتروا الدولار أو يبيعونه هل يشتروا العقار؟ أم الأسهم؟ أم الذهب؟ ، منوهاً بأن العملة الصينية متاحة للتعامل بها بيعاً وشراء دون امتلاك حساب بنكي .

مبيناً أن صانع القرار الأمريكي يعلم ، أن ذلك صمم  بهذا الشكل لكي يمنع تَحكُّم الدولار أو غيره من خلال المصارف فمن لا يتعامل مع المصارف ( لن يكون له وجود عالمي)، وإذا لم يكن لديك حساب مصرفي ، فإن الهيمنة والسيطرة الأمريكية تصبح أكثر ضعفا ، لذلك نجد بعض المنظمات تقول أنه ليس لديها حسابات في المصارف بل لديها نظام تعامل خاص بها.

إذا كان هناك حساب مصرفي ، قد يصدر قرار أمريكي يمنع المصارف من التعامل مع أي عملة أو دولة أو شخص أو مصرف ، وبالتالي سيُقضى عليه، ولكن بهذه العملة الصينية لن يتم ذلك لأنه ، ليس شرطاَ  ما دام لا يوجد هنالك حساب بنكي ، وهنالك عدد كبير من البشر في العالم لا يملكون حسابات مصرفية وهذه أحد الميزات الهامة جدًا في هذا الصراع الاستراتيجي .

الصين ترى أنه ليس ضرورياً امتلاك حساب في البنك كما أنه ليس ضروريًا معرفة حجم ثروتك ما دمت تتعامل إلكترونيًا من خلال عملة رقمية.

وأعرب ابو غزالة عن أسفه الشديد أن أغنى وأكبر الشركات العالمية لا تخضع للنظام الضريبي لكونها شركات رقمية، فالشركات الـ 5 الأكبر في العالم لا تدفع ضرائب باعتبارها (ليست من الدنيا) كما تقول أمريكا فهي في فضاء آخر، فهل يُعقل أن الموظف البسيط يخضع للنظام الضريبي  شهرياً والشركة التي حجمها تريليونات لا تخضع للضريبة.

لذا يرى أبو غزالة أنه بالنظر إلى أن كل شيء يتغير ، فسينتج عن هذه العملة ، وضع نظام ضريبي على أكبر الشركات العالمية مثل: (جوجل، أمازون، أبل، مايكروسوفت) وهو امر قيد الدراسة، باعتباره تحدياً كبيرا من حيث عدم وجود عدالة في النظام الضريبي العالمي الحالي ، وقد لاحظه عندما شغل مناصب أممية وفي منظمات عالمية.

رأى ابو غزالة أن الحل الوحيد جلوس الطرفين أمريكا والصين ، في الوقت الذي تتمسك أمريكا بالدولار ، والصين بعملتها الرقمية ، وأن توافق أمريكا على هذه العملة الرقمية ووضع نظام ضريبي عالمي عادل في عالم مقسوم إلى قسمين: غني لا يخضع لأي محاسبة مثل زوكربيرج ، بالمقابل يخضع 99% من البشر شللأنظمة والسياسات العالمية.

m.sh.jayousi@hotmail.co.uk

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى