من هنا وهناك

مصالحة “إقليمية” في ليبيا

الكاتب STRATEGIECS Team

تستعرض ورقة التنبيه السياسي التالية أهم المؤشرات الإقليمية والدولية التي قد تدفع نحو بلورة تسوية سياسية للأزمة الليبية، كما تناقش العوامل الليبية الداخلية الواجب توافرها لضمان حل مستدام في ضوء بعض التغيرات الإيجابية في المناخ الإقليمي.

بصورة مفاجئة، ودون تغطية إعلامية موسعة، عقد وفد أمني مصري رفيع اجتماعاً مع وزير الداخلية المفوض في حكومة الوفاق الليبية، فتحي باشاغا، في العاصمة الليبية طرابلس الخاضعة لسيطرة قوات تتبع للحكومة الرسمية.

يأتي هذا الاجتماع الذي عُقد أواخر ديسمبر 2020 في وقتٍ تُعيد فيه مختلف دول الإقليم ترتيب الملفات المنخرطة فيها بعد ما يقارب العقد من الاضطرابات والتوترات التي استُهلت في مطلع 2011 بتغيير أنظمة في بعض الدول لتتوالى بعدها الهزات الأمنية والمجتمعية وليبدأ تنافس إقليمي بين بعض الأطراف لانتزاع حصة من النفوذ فيما بدا هدفاً يسيراً وثميناً.

إلا أن الوقائع أظهرت صعوبة التأثير المحكم على مجريات الأحداث في دولة ما من قبل دولة أخرى، فليبيا الآن وبعد سنوات من التنازع الداخلي والخارجي لم يتمكن أي طرف من حسم الموقف وفرض السيادة على كامل أراضيها، إذ يمكن القول إن هنالك شرعيتين تنبثق منهما مؤسسات مزدوجة عسكرياً وخدمياً (كالنفط والموانئ والصحة) تمارس أدوارها على نطاقات جغرافية محددة.

وتمتد هذه الازدواجية إلى التحالفات الخارجية لأطراف الأزمة الليبية، فكل طرف يحظى بدعم تيار إقليمي يتباين مع التيار الآخر، مما جعل النزاع الليبي لا ينفصل عن حالة التنافس الدائرة بين عواصم إقليمية تسعى لتحقيق مزيد من النفوذ والمكاسب.

وبعد عدة جولات من الاشتباكات العسكرية والدبلوماسية بين الفرقاء الليبيين، وقّع طرفا النزاع في أكتوبر 2020 اتفاق وقف دائم لإطلاق النار لا يزال صامداً لغاية الآن، ويتضمن الاتفاق الذي رعته الأمم المتحدة تنظيمَ السلاح وحصره وإيقاف التصعيد الإعلامي وخطاب الكراهية.

وقد يكون هذا الاتفاق لبنة أساسية لبناء الثقة تمهيداً لإجراء انتخابات في ديسمبر 2021 تنتهي بقيام سلطات ثلاث (تشريعية وتنفيذية وقضائية) ومؤسسات موحدة تمارس صلاحياتها على كامل الجغرافيا الليبية.

وبعيداً عن قيود الماضي وتمسُّك الأطراف الفاعلة بمواقفها حيال الملف الليبي، يمكن القول بأن هنالك بعض المؤشرات الإقليمية والدولية التي تدلل على قرب تبلور “حل” متفق عليه ينقل ليبيا إلى واقع أقل اضطراباً، ومن أبرز هذه المؤشرات:

1. خفض حدة التناقضات التي سيطرت على تفاعلات أنقرة مع كل من القاهرة والرياض

بعد مغادرة الوفد الأمني المصري الذي زار طرابلس، عبّر وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، عن سعي تركيا ومصر إلى “وضع خارطة طريق بشأن علاقاتهما الثنائية” مؤكداً على عدم انقطاع التواصل الاستخباري مع مصر.

ولربما أدرك الطرفان ضرورةَ الانطلاق من مبدأ “عدم التضارب” في الملفات قيد الاشتباك، وهو ما من شأنه أن ينعكس إيجاباً على مواقف الأطراف المحلية الليبية، فكثير من الأزمات المحلية في الشرق الأوسط تُعتبر في الدرجة الأولى امتداداً لسياسة المحاور المهيمنة على الإقليم منذ 2011.

وبموازاة النوايا الإيجابية لخفض التوتر المصري التركي، تتحسن العلاقات السعودية التركية على مستوى القادة، حيث أجرى الملك سلمان اتصالاً مع الرئيس أردوغان قبيل انطلاق قمة العشرين التي استضافتها السعودية في نوفمبر 2020، وفيه أكد الزعيمان على فتح قنوات الحوار لتحسين العلاقات الثنائية وحل الملفات الشائكة التي تعقدت بعد حادثة “الخاشقجي” وتداعياتها.

2. التغير الرئاسي في واشنطن

بتولي الرئيس المنتخب، جو بايدن، مقاليد الحكم رسمياً في 20 يناير، فإن كثيراً من ملفات الشرق الأوسط ستخضع لعملية إعادة تقييم تُراجع فيها مواقف مختلف الأطراف وفق منطق إدارة بايدن التي يغلُب على أعضائها الميلُ إلى انتهاج سياسات متعددة الأطراف تخفِض التوتر وتحد من التدخلات الخارجية غير القانونية والمتعارضة مع مبدأ “احترام السيادة”.

ولذلك من مصلحة الفاعلين الإقليميين في ليبيا استباق متطلبات الإدارة الجديدة عبر السعي الدؤوب إلى صناعة توافق مبدئي يراعي الاعتبارات الملحّة لكل طرف. ولا يعني ذلك صناعة توافق كامل شامل وإنما التوصل إلى صيغة تُراعى فيها المصالح الحيوية لكل طرف على أن تُحترم نقاط الاختلاف ولا تتحول ليبيا إلى منصة لتقويض نفوذ أي من هذه الأطراف.

فمن غير المتوقع تساهُل الإدارة القادمة مع أي مساعي غير بناءة، مما يضع الدول المنخرطة في الملف الليبي أمام مسؤوليات جمّة حتى لا يتحول هذا الملف إلى عائق إضافي في العلاقات مع واشنطن “الديمقراطية”.

3. المصالحة الخليجية

من المؤكد أن تسوية النقاط الخلافية داخل المنظومة الخليجية تساهم في بث أجواء إيجابية يسودها الحوار المشترك والعمل على إنهاء النزاعات الإقليمية سلمياً وتقريب وجهات النظر بين القوى المتنازعة.

إلا أن أهم ما يمكن أن تُسفر عنه المصالحة الخليجية وما تم التوقيع عليه في بيان قمة العلا (التي عُقدت في السعودية في 5 يناير 2021) هو احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون السيادية إلا بالطرق الدبلوماسية القانونية. وإذا ما نجحت الإرادة الجادة للعواصم الخليجية في تثبيت اتفاقها، فإنها قد تسعى لتصدير انفراجتها إلى الملفات الساخنة في الإقليم، كالملف الليبي.

 الحل الليبي ليبي

بعد عقد من التدخلات، لربما اقتنع الجميع أنه لا يوجد طرف ضعيف ليكون هدفاً لتدخلات مكلفة لم تحقق الغاية المرجوة، بل أحياناً ارتدت هذه التحركات سلباً على مصدرها، مما قد يُضعف حماس الأطراف الخارجية على الاستمرار في اتباع السياسات الحالية تجاه ليبيا. إلا أن ذلك لا يعني انتهاء الأزمة؛ فالحسم يبقى بيد الأطراف الليبية، ولكن بمقدور الأطراف الخارجية حث الليبيين على الحوار وتحريك الجمود في هذا الصراع المعلق.

وهذا الصراع – على علّاته – إلا أنه نظرياً يُعتبر لحظة مناسبة لخفض تصعيد شامل، فأطراف النزاع لم تنجرّ بعد في مواجهات دموية خلّفت عدداً كبيراً من الضحايا، مما يعني أن لا رغبة في الثأر تسيطر على “عواطف” المتصارعين. كما ويدرك كل طرف أن الطرف المقابل يملك الوسائل والأدوات اللازمة لإلحاق خسائر فادحة به، مما يؤدي إلى كبح جماح الرغبة في تحقيق نصر سريع وحاسم؛ فميزان القوة لا يرجح تماماً كفة أي طرف من الأطراف.

ولأن الليبيين لا يستحقون بعد سنوات من القتال اتفاقاً نهائياً “سيئاً”؛ على داعمي المفاوضات السعي إلى إنجاح صيغة سياسية مناسبة تراعي ما قد يستجد من خلافات سياسية وفق منظور استباقي يعالج الأزمة قبل وقوعها لا بعد تفشيها.

ولذلك ما يُقترح من تقاسم مناطقي للسلطات والمراكز العليا في ليبيا لا يعدو عن كونه تسكيناً مؤقتاً لدوافع الصراع، على غرار اتفاق الطائف في لبنان وتقاسم الرئاسات الثلاث (الوزراء والدولة والنواب) في العراق.

فمن الأسلم تهيئة البيئة الداخلية لعملية سياسية متدرجة من أجل بناء سلطة واحدة متوافق عليها – أو لا تلقى معارضة صلبة من طرف بعينه – وإسناد القوى الإقليمية والدولية لهذه السلطة وسحب كافة المقاتلين الأجانب من ليبيا، وعندها يمكن القول إن المصالحات الإقليمية أسهمت في خلق تسوية للأزمة الليبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى