من هنا وهناك

الملل يفتح الباب على العزلة والاكتئاب.. والإرهاب

حسن إسميك.. رئيس مجلس أمناء مركز ستراتجيك للدراسات والأبحاث

في تجربة أجراها علماء فيزيولوجيا على رأسهم السير دونالد هيب، الذي رُشح لجائزة نوبل، على أشخاص أصحاء نفسياً وعقلياً بتعريضهم لحالات من الحرمان الحسي من خلال وضعهم في غرفٍ مضاءة إضاءة ثابتة، معزولة عن الصوت وعن البيئة الخارجية، ارتدوا فيها أغطية في أطرافهم الأربعة كي لا يحسوا بأي شيء حولهم.

بعد فترة من العزلة بدأ المشاركون بالتجربة يرون أشكالاً وأضواء غير موجودة، ويسمعون أصواتاً غريبة ويشعرون بأن أحداً ما يتلمس أجسادهم. وبدت عليهم علامات التوتر وعدم الارتياح، فأخذوا بالتحدث مع أنفسهم أو الغناء لمجرد كسر السكون، لينتهوا بعدها إلى الهلوسة بأشكال بسيطة كومضات نور أو أشكال وألوان تحوم في فضائهم، أو بأخرى معقّدة فالبعض تخيل غابات وأدغال مليئة بالحيوانات، أو سمع هدير طائرات حربية تستعد لقصفهم، ومنهم من شعر بألم شديد في ذراعه وكأن رصاصة اخترقتها. هذا كله يقودنا إلى خلاصة صادمة مفادها أن الملل إذا أصاب عقلك ولم يجد ما يحركه، حرّك نفسه بنفسه، ولكن بالوهم!

ولم يتوقف الأمر على الهلوسة بل تعداها إلى تدهور القدرات العقلية. فعندما سُئل المتطوعون أسئلة حسابية بسيطة أو طُلب منهم تكرار كلمات بذاتها، كان تردي وضعهم واضحاً بالمقارنةً مع ما كانوا عليه قبل التجربة. والأدهى أنه قيل لهم هل تؤمنون بوجود القوى الخفية والأشباح فردوا بنعم موضحين أنهم كانوا يخافون ظهورها لأيام طويلة بعد نهاية التجربة. تغيرت قناعاتهم، وأصبحت آراؤهم مشوّشة وهائمة، إذ تشتت تركيزهم ولم يستطيعوا أن يقدموا إجابات منطقية.

لا ينشأ الملل في التجارب والمختبرات فقط ولا يقتصر على الحالات الفردية، وهو قديم قدم الإنسان. ويرى كثيرون أنه من أهم الدوافع وراء التجديد والابتكار والاختراع، والابداع الفني رسماً أو شعراً أو في المسرح والموسيقا والسينما. لقد أوجد الإنسان «عالم الترفيه» بهدف معالجة الملل الذي قد يواجهه. الحديث هنا عن الملل التقليدي الذي لا بد أن يعانيه كلّ إنسان في فترة ما، أو في مرحلة عمرية معينة، وخصوصاً في مجتمعات الرفاه، أو لدى المتقاعدين ممن يملكون من الوقت ما يزيد عما لديهم من أنشطة.

أما في القرن الحادي والعشرين، فقد تزايدت خطورة الملل حين ظهرت أدوات جديدة وغريبة لمحاربته، تبدأ من تسليعه عبر الترفيه عديم المضمون، والذي انتشر عن طريق وسائط التواصل الاجتماعي انتشار النار في الهشيم، ودفع البعض أحياناً إلى التطرف والانضواء في تنظيمات إرهابية بحثاً عن المغامرة! فهل بات الملل خطراً يتهدد فئات اجتماعية كاملة؟ وهل يكاد يكون اليوم أخطر المشكلات التي تصيب جيل الشباب في كلّ دول العالم؟

وإذا كان الترفيه أداة مهمة لمحاربة الملل، فهو يصبح حين يكون مجانياً وقد أُفرغ من مضمونه أهم مصادر الملل. فمن الممكن أن تكون حواسك الخمس متحفزة، والمؤثرات من حولك كثيرة وكبيرة، ومع ذلك، قد تشعر بالملل والوحدة والعزلة، وربما بالاكتئاب، لكن كيف؟ إذا قدمنا لك الملل كسلعة استهلاكية شأنها شأن قطع الجبن أو الملابس أو الصابون!

في البداية، سنوسع الفجوة بينك وبين واقعك، وسنسجنك باحلام وأوهام ذات أسوار شاهقة، فنحول قنوطك إلى عزلة، والعزلة إلى وحدة، والوحدة إلى ماكينة تُنتجُ الأوهام أكثر فأكثر.

سنشجعك على التمني الذي يتبعه العجز عن ترجمة الأوهام إلى حقائق، ما يورث الاكتئاب وهو العجز عن مواجهة ما أنت بحاجة إليه أو ما أنت واقع فيه. وعندما تفقد القدرة على التغيير ستفضل الاستسلام على مواجهته، فتتعمق حالة اليأس لديك، لتلتحق إذن بركبٍ من المشتتين، التائهين بين ما يريدون وما يستطيعون الحصول عليه.

فقد بات ذلك الاستسلام سمة عالمية تتجسد في إهمال الثقافة الجادة والاقبال على ثقافة سريعة استهلاكية يصفها البعض بأنها مرض يمكن تسميته بـ «روح الاستهلاك الشيطانية»، والتي أصبحت بحق نوعاً متجدداً من العبودية.

ومع أن هذه الحالة باتت تشمل العالم كله، إلا أن خطورتها تتفاقم في بلداننا العربية، إذ أن جيلاً كاملاً من الشباب عرضة للاستسلام للملل بنسختيه التقليدية والحديثة «المسلّعة» علماً أن كلّ آمال النهوض بأمتنا معلقة عليه.

من ناحية أخرى.. تختلف مسببات الملل في عالمنا العربي عن غيره، فهو ينبع لدينا بشكل رئيس من البطالة المتفشية وغياب الأنشطة الإنتاجية. اللافت أن أعمار نحو 63% من سكان الشرق الأوسط هي أقل من 30 عاماً، في حين تكاد معدلات البطالة في المنطقة تساوي ضعف متوسطها ​​العالمي. أضف إلى ذلك غياب الاستقرار، وافتقار الشباب لأطر الانخراط في الشأن العام وأدوات التغيير.. كلّ ذلك يخلق عند شبابنا شعوراً بالعجز أمام التحديات الماثلة أمامهم.

غير أن مسؤولية الخروج من حلقة الملل المفرغة هذه، لا تقع على عاتق الشباب وحدهم، بل تتحمل الحكومات قسطاً كبيراً من مسؤولية معالجتها، ويجب أن تتبنى الحكومات سياسات وخطط شاملة لمواجهة خطر الإحباط المحدق بالشباب العربي، تنطلق أولاً من القضاء على البطالة، وهي المسبب الرئيس للملل، من خلال خلق بيئة آمنة تضمن ازدياد الاستثمارات الاقتصادية الكفيلة بإيجاد فرص عمل كثيرة في العالم العربي.

وينبغي أيضاً على حكوماتنا تطوير البيئة الثقافية عن طريق مؤسسات متخصصة تستوعب الشباب، وتنتج ثقافة متطورة راقية ومحفزة، تستنهض طموح الجيل ورغبته في الإنجاز. وفي السياق نفسه، يجب أن تخصص الحكومات ميزانيات لدعم الابتكار وتمكين الشباب من أدواته.

وعلى مجتمعات الأعمال أيضاً أن تلعب دوراً أكبر في خلق فرص التدريب والريادة. وأقد أثبتت التجارب، رغم ندرتها، أن الشباب العربي مليء بالطاقة والموهبة والتصميم، لذلك يجب الإكثار من هذه التجارب.

كذلك يمكن للدول الغربية، ولاسيما تلك التي تشتكي من أعداد المهاجرين الكبيرة الوافدة إليها، أن تساعد في هذا المجال عبر تعاون جميع المعنين فيها، من حكومة وجهات ووكالات ومنظمات تنموية مع القطاعين الرسمي والمدني العربي فيما يتعلق بسياسات البرامج الرامية إلى تمكين شبابنا، بما يضمن أن يحصلوا في الوطن على فرصتهم التي كانوا سيبحثون عنها في الغرب.

أخيراً.. لا ينبغي أن يضيع العالم «هدية تاريخية» كالشباب العربي، ويجب ألا تفشل الأمة العربية مجدداً في بناء منبر للسلام والازدهار. أما نحن الشباب العربي، فلا نملك رفاهية الاستكانة للملل بينما أوطاننا تحتاج إلينا أكثر من أي وقت مضى، فنحن بُناتها. وكلي ثقة أن الشباب العربي سيكون على مستوى المسؤولية، فهو لم يفتقر إلى القدرات يوماً، بل كان محروماً من الأدوات التي يستطيع من خلالها تحويل إلى إنجازات ملموسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى