أقلام وآراء

تحديثات واتس آب.. وتطميناته

موفق ملكاوي

في علم التجارة والترويج، يتم تعليم المبتدئين قاعدة أصيلة في هذا السياق، وهي أن “الزبون دائما على حق”. هذا الأمر لا يراد به فحص الحقيقة والموقف بين مزود الخدمة والزبون، وإنما استلهام فكرة استيعاب تحفظات الزبائن وأنماط تفكيرهم الضدية، وحتى أمزجتهم في أقصى حالاتها المتطرفة.
كانت مثل هذه القاعدة منظورة ومعتبرة في سياق البيع والتسويق الكلاسيكيين، وهو سياق يعترف بالضرورة بثنائية العرض والطلب التقليدية، وهي ثنائية تجيز استخدام الخبرة و”الفهلوة” والفروقات الشخصية بين فرد وآخر.
لكن، وفي عالم اليوم الذي تغيب فيه ملامح مقدم الخدمة عن المستفيد، وتتلاشى فيه حدود التعامل المباشر، ما يصعب من تحديد الشخصية في الحالتين، وهو ما أجاز لبعضهم الإطاحة بالقاعدة الذهبية، وأقروا بأنها لم تعد لازمة ولا ملزمة.
في إعلانها الاستعلائي، اعتبرت خدمة تويتر جميع مستخدميها “رعايا” يتوجب عليهم أن يخضعوا لاشتراطاتها مهما كانت. الإعلان عن سياسات الخصوصية الجديدة جاء فوقيا، ولا علاقة له بما قد يسمى في المجال العمومي الحديث خدمة العميل.. أو رضا العميل.
واتس آب أعلنت بلا أي نوع من العاطفة أنها تنوي مشاركة بيانات المستخدمين مع فيسبوك، وأن هذا الأمر نهائي، ولا يجوز لأحد ينوي استخدام الخدمة رفضه!
بالتأكيد نحن سنكون معجبين جدا بموقفها القاطع الذي لا يقلل التسويف. لكن، هل هذا ما يريده العميل بالضبط؟
بالنظر إلى أن أعداد العملاء هي ما يحدد مدى نجاح مثل هذه التطبيقات، فينبغي اذن أن يكون مزودو الخدمة أكثر تواضعا، لا ان يعمدوا الى الاستفزاز.
واتس آب خسرت حتى الآن ملايين المستخدمين الذين هجروها لمصلحة تطبيقات ناشئة. هذا الامر مرشح لمزيد من التدهور ما دامت الخدمة تنظر إلى سياقات التوصيل على أنها فوقية وقابلة للإخضاع، وأن الزبون لا يمكنه معاقبتها.
بالتأكيد، واتس آب اليوم تبدو خدمة استعلائية، حتى مع محاولات طمأنتها العملاء، وتعهدها بتأجيل تطبيق سياسات الخصوصية، إلا أنها لم تبد متراجعة عن فوقيتها، فهي لا تعتبر العميل شريكا حقيقيا في عالم البزنس الخاص بها، بل هو أشبه بواحد من الرعية أو التابع الذي لا يجوز له الاعتراض على أي أمر.
بسبب تربعه على عرش تطبيقات المراسلة، نسي مسؤولو واتس آب أن المنافسة موجودة دائما؟ وأنه مثلما أعلى المستخدمون من شأن تطبيقهم، فباستطاعتهم أن يهجروه إلى خدمة أخرى يرفعونها ويرفعون أسهمها. وكل ما نرجوه هو ألا يكون القائمون عليها بدرجة الركاكة نفسها التي ظهر عليها مسؤولو واتس آب بحيث استطاعوا أن يحطموا رقمهم القياسي في الغباء.
العميل يستطيع دائما أن يعاقب. هذه قاعدة بنبغي ألا تغيب عن ذهن المسوق. إنها قاعدة ذهبية، وعلى واتس آب أن تستعيدها اليوم وهي تبحث عن استعادة مكانتها التي هزها إعلانها.
نعلم أن الخدمة ما تزال متفوقة. لكن السياق الدرامي للأحداث خلال الأسبوع الأخير ينبئنا بأن عرشها قد اهتز فعلا، وأنها يمكن أن تخسر مكانها الأول بفعل الغباء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى