ضوء في نهاية النفق

الإكتفاء الذاتي والإحتياجات الرئيسة عند أبو غزالة : الزراعة وثقافة الإنتاج لتأمين الغذاء الصناعات الدوائية لمواجهة الكوارث الطبيعية والأوبئة التعلم بدل التعليم لتكريس الإبداع والإختراعات والإبتكارات

محمد شريف الجيوسي   

كشفت جائحة كورونا عن عيوب كثيرة واحتياجات كانت محل تجاهل على صعيد واسع في عالمنا ، فالقلة كانت لا تعطي بالاً .. للاكتفاء الذاتي من الاحتياجات الرئيسة .. والتعلم بدلاً من التعليم ، كما القلة من الدول والمؤسسات والأشخاص من استشرف المستقبل وأولى التحول الرقمي ما يستحق من الأهمية ؛ استباقاً للأزمات والمخاطر التي قد تنشأ جراء حصارات دولية واختلافات مصالح أو جراء كوارث طبيعية واجتياحات وبائية .

المفكر العربي الدولي دكتور طلال أبو غزالة*** ، كان سباقاً الى ذلك فقد قطعت مجموعته العالمية شوطا كبيراً في التحول الرقمي ، حيث وضعت إستراتيجية لهذا التحول ، وقدمت استشارات رقمية لتحول الشركات رقمياً ، ولذلك فهي بين مؤسسات قليلة لم تتضرر جراء جائحة كورونا .. حيث تحولت إلى شركة عالمية رقمية في وقت مبكر من الجائحة .

لكن أو غزالة يرى أنه ما زال هناك المزيد لتحقيقه،باعتبارها عملية تطوير مستمرة، والحاجة ملحة لحملة تثقيفية بضرورة التحول الرقمي حتى الوصول إلى الإكتفاء الذاتي للدولة ، وصولاً

لأن نصبح وطنًا منتجًا مكتفيًا ذاتيًا .

 وشدد د. أبو غزالة على ضرورة تفعيل ” سياسة الإكتفاء الذاتي الوطني باعتبارها من الأساسيات” وإن كان من غير الممكن لأية دولة الاكتفاء ذاتياً بنسبة 100% ، فهنالك منتجات  لا تتوفر لدى الدول ، لكنها تتوفر لدى دول أخرى، لكن الأساسيات الضرورية للإنسان غالباً ما تتوفر محلياً ـ أو يمكن تأمينها محليًا.

وحيث قد تتعرض الدول للحصار لأي سبب، ما يجعلها في حاجة للتخفيف من الحاجة للعملة الأجنبية ، وتخفيض الاستيراد دعما لميزان المدفوعات في الدولة ، وبذلك يعتمد الاقتصاد على العملة المحلية.

لافتاً إلى أن الاكتفاء الذاتي والإنتاج والتصدير، يحقق الشعور بالعزة والكرامة للدولة ولمواطنيها .. ويتيح فرصاً أكبر للعمالة االمحلية، ويحل مشكلة البطالة ، ويحقق الاستقلالية الاقتصادية والشعور بالانتماء للوطن والمنتج ، فيما الاعتماد على الاستيراد يخفض الحاجة  للعمالة المحلية ويضر بالمنتج الزراعي والصناعة الوطنية .

وقد حدد أبو غزالة الإكتفاء الذاتي في 3  أمور رئيسة  وهي الغذاء والدواء والتعلم.. واعتبر أي شيء آخر خارجها هو استهلاك مُفيد ولكنه ليس أساسياً .

وتشكل الزراعة أول عناصر الاكتفاء الذاتي المتمثل بالغذاء ، وما يتعلق بها من صناعات زراعية، وزراعات تقنية ، ومشاريع إستثمارات زراعية ، مع الأخذ بالاعتبار أن الاستثمار في الزراعة ليست عملية معقدة وإنتاجها وتسويقها ليست معقدة أيضا ، كذا لإستثمار الشخصي فيها  ، وفي وسع كل إنسان يمتلك مساحة ولو صغيرة صالحة للزراعة في منزله ؛ زراعة الأساسيات التي يحتاجها ( منوهاً بأنه يزرع في حديقة منزله العديد مما يحتاجه باستمرار ).

واستذكر أبو غزالة ، بأن أكثر الناس وطنية هم المزارعون لإنتمائهم للأرض وهم أكثرهم طيبة وعزة ومواطنة ، فللزراعة ميزات كثيرة مكتسبة إضافة لما تنتج من غذاء.

واستذكر ابو غزالة ما كان يدرس في المدارس قبل عقود (زرعوا فأكلنا، ونزرع فيأكلون) هي عبارة بسيطة لكنها تُعبر عن أهمية الزراعة، حيث تعني أن أجدادنا زرعوا لنأكل نحن ؛ ونحن يجب أن يزرع ليأكل  الأبناء والأحفاد ، ليته يتم تكريس هذه الثقافة مجدداً .

وكشفت جائحة كورونا، عن أهمية الدواء في حياة البشرية،فكل إنسان يحتاج في فترات من حياته للدواء بمختلف أنواعه،والحديث عن الاكتفاء الذاتي الوطني للدواء يتحقق في الصناعات الدوائية، داحضا التذرع بعملية الابتكار والاختراع لتبرير عدم إبداعنا في الصناعات الدوائية.

موضحاً أن مجموعته كأكبر شركة للملكية فكرية في العالم،تدرك أن الأدوية كجميع الاختراعات تنتهي مدة حمايتها بعد  20 سنة، أي أنه بعدها يمكن إنتاج أية صناعة موجودة لأي منتج في العالم ، لأنه يصبح ملكًا للعامة، فيمكن مثلاً إعادة إنتاج البنادول باسم جديد ، فموضوع الحماية للأسماء والعلامات التجارية شيء آخر،لأنها تبقى دائمة طالما تم تجديد تسجيلها لحمايتها، أما الاختراع فمدته 20 سنة فقط ، لإتاحة فرصة إعادة إنتاجه بصيغة أفضل لتحفيز الإبداع والإختراع.

ولفت أبو غزالة إلى أن صناعة الدواء ممكنة بطرق قانونية ، بنقل تكنولوجيا التصنيع إلى تقنية جديدة قبل انتهاء فترة حماية الملكية الفكرية للمنتج، وسينتج عن ذلك منتجات أخرى، فكل اختراع ينتج عنه اختراعات أخرى ، أي تحويل نقل التكنولوجيا إلى تكنولوجيا وطنية.

لقد كشفت جائحة كورونا على أن أهم وأكبر صناعات العالم ؛ هي صناعة الأدوية واللقاحات ؛ حيث صرفت الشركات مئات المليارات  لتصنيع اللقاح، ولا يعني ذلك أن نقوم بصناعة اللقاح المضاد للفيروس، لكن من الممكن إنتاج بعض الآدوية والكمامات والأجهزة الطبية المساعدة كـ أجهزة التنفس ، غير المتوفرة كثيراً في السوق .

واستعاد ابو غزالة مقولة بيل جيتس ، بأنه  “في الوقت الذي تدهورت فيه اقتصادات العالم،ويعاني  من الإنحسار والانكماش بما لا يقل عن 15% ، ازدهرت ونمت الصناعات المبنية على التكنولوجيا .

لن أتكلم عن الصناعات الأخرى ولكن الأدوية الأساسية هي فرصة متاحة لنا فلا يجوز استيراد المُطهّروالقطن والكمامات أيضًا ، وهناك أدوية أخرى قابلة للصناعة وعدم الاستيراد.

المحور الأساسي الثالث في الإكتفاء الذاتي ، وهو التعليم، فلكي ننجح في الصناعة والزراعة وتحقيق ما نريد، نحن بحاجة للإنتقال من مرحلة التعليم إلى التعلم ، وهنا يتحدث ابو غزالة عن نفسه ، فقد تعلم في أفضل جامعات العالم (الجامعة الأمريكية في بيروت ) لكنه لا يذكر شيئًا مما تعلم في الجامعة ، لكن ما تعلمه في الحياة هو الباقي وما استفاد منه في حياته وما يعمل به حاليًا.

ففي عصر المعرفة ، لا يحتاج الإنسان إلى التعليم، هنالك حاجة لأن تتحول المؤسسات التعليمية إلى مؤسسات تُوجّه الطالب كيف يتعلم، يقول أحد الخبراء : “لماذا أحفظ كل المعلومات التي يراد حفظها ، ما دامت متاحة في محيط المعرفة”، الهدف من هذا التحول هو (الإبتكار) فهكذا نستغني عن الإستعانة بالمؤسسات العالمية من حيث الخدمات المقدمة.

يقول أبو غزالة ، إذا أردنا دعم الدخل القومي للدولة، يكفي أن نخرّج مُخترعاً واحداً مثل زوكربيرغ أو ستيف جوبز أو بيل غيتس لأن مؤسساتهم المعرفية تستطيع زيادة الدخل القومي للدولة ، بحجم اقتصادات دول كاملة،  يصل بعضها إلى تريليون دولار ، فالتعليم بهدف الابتكار، يخلق مشاريع للتوظيف ، تضيف إلى الناتج القومي.

وقدم أبو غزالة بعض المقترحات في نهاية سنة مالية لإستقبال سنة جديدة بفكر جديد .. معرباً عن تمنياته على الدولة بمؤسساتها المختلفة ؛ إعداد الدراسات ووضع البرامج والموازنات اللازمة لتحقيق الاكتفاء الذاتي .

وأبرز أبو غزالة أهمية إنشاء مؤسسات استشارية ، قادرة على تقديم إجابات ، كيف تستطيع  الاكتفاء ذاتيًا كشركات ؟ أو كيف نستطيع الإستثمار في مزرعة ، وفي أي مجال وأي منطقة، فالطبيعة تختلف، ما هي الأساسيات اللازمة لهذا الإستثمار؟ وبالتالي الانتقال إلى مرحلة التنفيذ ، وكيف يكون ذلك، لو أردنا إنشاء مصنع .

وتساءل أبو غزالة ، ماذا لو فرض علينا حصار، ما الذي يمنعنا من إنتاج القمح ، السكر الملح وهي سلع رئيسة ، وهناك مواد زراعية أخرى نستطيع إنتاجها .

وتحقيق كل ذلك يحتاج إلى تعميم التوعية بثقافة الإنتاج ووضع الخطط والبرامج العملية وتنفيذها ومراقبة التطور في الإنتاجية.

وقال لا تستطيع دولة ما الإكتفاء والاستغناء عن العالم في كل شيء ، لكن تستطيع الاكتفاء ذاتياً في الأساسيات .

وشدد على أننا في الزراعة فقط يمكننا حل مشكلة البطالة، منوهاً بأن هناك الكثير من قيادات العالم وكبار مسؤوليه عند انتهاء أدوارهم تحولوا لمزارعين في بيوتهم أو في حقولهم، فالزراعة تُعبر عن الإحترام  للذات والكرامة.

*** تحدث ابو غزالة في ذلك في الحلقة 48 من برنامجه العالم إلى أين على فضائية R T يوم 13كانون أول 2020  بعنوان ” ثلاثة مجالات يجب على الدولة أن تحقق فيها الاكتفاء الذاتي”

m.sh.jayousi@hotmail.co.uk

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى