ضوء في نهاية النفق

ابو غزالة قرأ مبكرا الجائحة والأزمة الإقتصادية

محمد شريف الجيوسي

خطران واجها العالم والبشرية سنة 2020 أشد من كورونا  هما :

التهويل وتجاهل الخطر .. والعمل الدولي المنفرد ” أنا أولاً “

الصين تأهلت وتجاوزت الجائحة والأزمة الإقتصادية لإلتزام شعبها وضوابط نظامها السياسي والإقتصادي خارج معادلة الدولار

عين الاردن

عيّن المفكر العربي الدكتور طلال أبو غزالة رئيس مجموعة طلال أبو غزالة العالمية ، في حلقة برنامجه ( العالم إلى أين ) التي بثت يوم 8 آذار 2020 على الفضائية الروسية R T  ؛ خطرين أشد على البشرية والعالم من وباء كورونا ذاته ، وإن تولّدا عنه وإتصلا به ..

أولاهما حالة المبالغة في الخوف والهلع الناجمة عن الوباء او التخفيف من شأنه ا ، وهو ما حذرت منه منظمة الصحة العالمية باعتبار أن هذه الحالة أحد الأضرار التي ستصيب الدول ، ما سيقود إلى نوع من عدم التوازن بين الإعتناء بالصحة وبين الإقتصاد ، فيتشكل خطراً أشد من الوباء ذاته، الأمر الذي يستوجب الموازنة بين 3 أمور،  أهمية  الأرواح وأهمية الأرزاق معا ، وعدم التهويل من المخاطر أو تجاهلها أوإنكار وجودها ، وضرورة وضع الأمور في نصابها الدقيق .

فوفاة 20  الفاً في بلد عدد سكانه مليار ونصف المليار كالصين ، مثلاً ، لا ينبغي أن يثير القلق، ، كما هو حال وفاة ذات الرقم  في بلد عدد سكانه 10 ملايين .

يقول أبو غزالة ، قد تكون ثمة حاجة آنية للمبالغة في التخويف والتهويل ، لكنها غير مفيدة على مدى أطول ، صحيح هو وباء خطير وكارثة عالمية، ولكن لا يجوز أن نسمح له بالقضاء على أرزاقنا وتهديد إقتصادات ونمو العالم ولا فرض نفسه على جدول حياتنا، بل يجب على البشرية أن تعيش حياتها بشكل طبيعي والإستمرار في النمو والتنمية وهو ما قال به  الرئييس الصيني (شي جين بينغ) أيضاً .

ورأت منظمة الصحة العالمية بدورها ، “أن الأضرار الناتجة عن كورونا ، جراء التهويل والتخويف المبالغ فيه أكبر من الأضرار الناتجة عن المرض نفسه ، فالمرض سينتهي وتزول أسبابه مهما طال أمده ، ولكن البشرية ستبقى وستلملم ما تبقى وإعادة بناء مستقبلها ” فلا يجوز أن ننسى المستقبل ونبقى نعيش فقط في قلق وخوف” .

واعتبر ابو غزالة ان الإجابة على بعض الأسئلة ( الفنية ) حول الوباء ليس هو المهم ، من نوع (كيف؟ ولماذا؟ ومن وراء الوباء ؟ وكيف يتم علاجه؟ وهل كان هنالك تقصير؟ ومن المسؤول عن التقصير، فالإجابة على هذه الأسئلة من شأن الفنيين .

أما الخطر الثاني الأشد خطراً من الوباء ذاته ، من وجهة المفكر أبو غزالة ، فيتمثل في  تغليب كل دولة لمصلحتها أولًا ، بالطبع عندها ستختلف مصالح الدول فينتج عن ذلك صراع وخلاف ، ( بذلك فإننا نسير نحو الأزمة بسرعة أكبر ) مما نتوقع ، مشدداً على أن ثمة حاجة ملحة لفريق عمل دولي لإنقاذ العالم وليس لإنقاذ الصين، فالصين قامت بإجراءاتها بكفائه عالية ولديها القدرة بسبب حجمها ونظامها السياسي على اتخاذ القرار السريع ؛ الذي ينفّذ على الجميع بقوة واحدة ومفعول مشترك وبتعاون شعبي كامل، فبالتالي تستطيع الصين معالجة أمورها بنجاعة كبيرة.. على الرغم من استهدافها من الولايات المتحدة الأمريكية في عهد إدارة الرئييس الأمريكي ترامب ويبدو أنها كذلك مستهدفة من قبل إدارة الرئيس الأمريكي الجديد بايدون .. الذي يبدو أنه سيتفرغ لمناكفة الصين وربما شنَّ حرباً عليها . ( وجهت واشنطن اليوم ( 20 شباط ) تحذيراً لبكين مما أسمته استخدام القوة في بحر الصين الجنوبي).

والدليل على صحة ما ذهب إليه المفكر أبو غزالة ، في وقت مبكر من الآن ، سجلت الصين، فائضا في الحساب الجاري بلغ 9ر298 مليار دولارعام 2020 مع تعافي اقتصادها وسط السيطرة الفعالة على جائحة كورونا.

وذكرت المصلحة الصينية للنقد الأجنبي، في أحدث بيانات أصدرتها اليوم السبت 20 شباط 2021، من أن تجارة السلع سجلت فائضا بلغ 8ر533 مليار دولار العام الماضي، بينما شهدت تجارة الخدمات عجزاً بلغ 3ر145 مليار دولار. وشهدت الصين في الربع الرابع فائضا في الحساب الجاري بلغ 2ر130 مليار دولار، مع فائض بلغ 6ر193 مليار دولار في تجارة السلع. كما أظهرت البيانات أن تجارة الخدمات سجلت عجزا قيمته 4ر28 مليار دولار في الربع الأخير من عام 2020.. ما يؤشر على تعافي الإقتصاد الصيني بنسبة كبيرة .. ومن المفهوم أسباب تراجع تجارة الخدمات لما اقتضته سياسة التباعد الاجتنماعي الحازمة .

، لكن دولاً كثيرة في العالم ، لا تملك آلية فرض القرار أوآلية السياسات.. ما يستدعي المقاربة بين الأرواح والأرزاق وتجنب التهويل أوالتقليل من المخاطر باعتباره أولوية ، والتوقف عن تبادل الإتهامات وعدم التعاون الدولي بمواجهة الوباء.. باعتباره الخطر الثاني .

ومن عناوين الخطر الثاني الأشد من الجائحة ، تحميل الصين ؛ مسؤولية الوباء ، وإنصراف كل طرف منفرداً بمواجهة الجائحة وخروج أمريكا من منظمة الصحة العالمية ( عادت إليها لاحقاً بفوز بايدن ) وعدم فهم ان الإضرار بموقع الصين الإقتصادي ؛ سيخدم الإقتصاد الأمريكي ويورثه ، فالإقتصاد الصيني الذي يحتل ثلث الإقتصاد العالمي؛ يؤثر على ثلث النمو في الناتج  العالمي، أي أن أي إنخفاض أو نمو في الإقتصاد الصيني سيؤثر بذات النسبة .

ولفت أبو غزالة إلى ان الصين حققت تقدما كبيراً على صعيد مواجهة الجائحة ، فقد مكنها استقلال نظامها المالي عن النظام  المالي الأمريكي ( الدولار ) من ضخ ما يكفي لمراكز الأبحاث والمختبرات لمحاربة الفايروس والجائحة .

وأتى أبو غزالة على أمثلة تتميز بها الصين في حربها على الجائحة ، منها تعاضدها شعبًا وحكومة حيث عملت كفريق واحد في معالجة هذه الأزمة ،  ما  خفف كثيرًا من أضرارها،  معرباً عن إعتقاده ، بعدم وجود أي دولة في الدنيا مقارنة بالظروف السائدة قادرة على بناء مستشفى كامل خلال 10 أيام وأن يكون جاهزاً للخدمة ، كما الصين .

وتعاملت الصين بحسب ابو غزالة ، مع الوباء بكفاءة عالية حيث إمتلكت القدرة بسبب حجمها ونظامها على إعطاء الرئاسة سلطة اتخاذ القرار السريع ، الذي ينفذ على الجميع وبقوة واحدة ومفعول مشترك وبتعاون كامل، فبالتالي تعالج الأمور بكفاءة .. فيما دول كثيرة لا تمتلك القوة في آلية فرض القرار وآلية عمل السياسات بثنائيتي الناحيتين الصحية والاقتصادية معاً ، حيث قال الرئيس الصيني (شي جين بينغ)  : “أنه لا يجب أن نسمح لهذا المرض بأن يقضي على إقتصادنا ومستقبل أبنائنا، يجب التعامل بتوازن بين الأزمتين الصحية و الحياتية وبنفس الوقت وذات الأهمية  لا نسمح لإقتصادنا أن يتضرر”.. وهو ما عجزت عن فهمه دول كثيرة ، بل ولم تفهم  أن الإضرار بالإقتصاد الصيني إضرار بالإقتصاد العالمي ومن ضمنه الأمريكي .

لقد ساعدت أمور على تفوق الصين وتعافي إقتصادها ، الذي توقعه ابو غزالة ، منها استقلالية قرارها وسرعة وسلاسة إتخاذه ونجاعة إجراءاتها الثنائية ( الصحية والإقتصادية )  وتطبيق النظام على الجميع وتعاون الشعب وعدم خضوع العملة الصينية ( اليوان ) للنظام المالي الأمريكي ( الدولار ) ، ما أتاح لها دعم شركاتها  المتصلة بالإنتاج والتجارة العالمية بخاصة .

وحذر ابو غزالة من أن (78%) من صادرات ووهان يصدر إلى العالم فهي المنفذ الرئيسي للصناعة والتعامل التجاري الدولي (ومن هنا فإن أثر الأزمة على الصين هو أثر على العالم أيضًا ودعم الصين في هذه المرحلة هو دعم للعالم، أي أن كل دولة تتعاون مع الصين في معالجة هذه الأزمة تكون قد دعمت نفسها لأن الأزمة ؛ أزمة عالمية وليست صينية.

ووصف أبو غزالة ، الأصوات التي ظنت أن ذلك سيقضي على الإقتصاد الصيني وسيشكل مصلحة لإقتصادات دول أخرى أنها أصوات غبية ( كـتصريح أحد المسؤولين الأمريكان) الذي اعتبر أنها فرصة على أمريكا الإستفادة  منها ، فيما الحقيقة أن لأمريكا مصلحة في الإقتصاد الصيني.

فهنالك حوالي 200 شركة أمريكية رئيسة  كـ أبل، وإنتل، وسوني، وتيسلا وغيرها، تنتج في الصين بمكونات عالمية ، ما يطلق عليه (Componence) .. وجنيرال موتورز تبيع في الصين أكثر مما تبيع في أمريكا مع أنها أمريكية ، ومنتجات أبل، بوينغ في الصين، ستتوقف في حالة الإضرار بالصين ، وستحدث أزمة في سوق الحواسيب والهواتف النقالة .

نستنتج مما سبق ، أن الأثر الناجم عن الجائحة ، سيكون كبيراً على الولايات المتحدة ، ذلك أن أزمتها الإقتصادية سابقة على الكورونا ، وقد زادتها  الجائحة والقرارات العشوائية  تأزماً وهو ما أكدته  (مورغن) يوم 27 فبراير 2020  وما بينته البورصة الأمريكية في 28 فبراير ، حيث وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ حدوث الأزمة المالية العالمية  سنة 2008 .

وحيث أن 60% من فواتير العالم تصدر بالدولار يعني ان التأثير سيشمل أوروبا وبالتالي دول العالم الغربي جميعه بدرجات مختلفة، وكلما كانت الدولة على علاقة أقوى مع أمريكا والصين كلما كان تأثرها بالأزمة أكبر.

بكلمات ، لقد أصاب التهويل بخطر الجائحة و العمل الدولي المنفرد  ، لمواجهة جائحة كورونا والأزمة الإقتصادية   في مقتل ، حيث لم يكن في صالح العالم ولا الدول التي أخذت به ، وفي المقدمة أمريكا ، التي طرحت شعار أمريكا أولاً ، وحيث كانت الصين منفردة خارج هذه المعادلة ، لخصوصية نظامها الذي أتاح لها الحركة خارج معادلات التخويل والأنانية  العالمية الرائجة . . فقد كان تضررها محدوداً ، فيما بلغ تضرر أمريكا والغرب الأوروبي والدول الأخرى المنخرطة في النظام الدولي الأمريكي  حده الأقصى .

m.sh.jayousi@hotmail.co.uk

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى