ضوء في نهاية النفق

أبو غزالة يحذر الدول المتعثرة مالياً من “نصائح” وقروض صندوق النقد الدولي

تمكين ثلاثية الحكومة والبنك المركزي والبنوك من الوفاء للمودعين مسألة رئيسة 

الصحيح زيادة قاعدة الدخل وليس زيادة الضرائب 

الشعبوية مجلبة للفوضى ولا تقدم حلولا صحيحة بديلة 

لا يمكن قبول قوانين البنك و صندوق النقد  الدوليين والإتحاد الأوروبي إذا لم تتناسب مع المعادلة الثلاثية 

أغراض الصندوق ليست إنسانية ولا إجتماعية وليست مهمته خدمة البشر ولا المجتمعات 

محمد شريف الجيوسي  

حذر المفكر العربي الدكتور طلال أبو غزالة في الحلقة ألـ 9 من برنامجه (العالم إلى أين) التي بثت على فضائية R T  الروسية بتاريخ 15 آذار 2020 .. من الإقتراض من مؤسسات راس المال العالمية ( الصندوق والبنك الدوليين ) موضحا أنهما ليسا مؤسسات خيرية إنما تعيش على أرباح من تقدم لهم (النصائح) وفوائد الأموال المقرضة للدول المتعثرة مالياً ، فتزداد تعثراً ، كما حذر من تغليب ( نصائحهما ) على مصالح البلاد .. كاشفاً عن أن قاعدة زيادة الضرائب التي ينصح صندوق النقد ، لا تزيد دخل الدول وإنما تنقصها والصحيح زيادة قاعدة الدخل ، وأكد على ثلاثية الحكومة والبنك المركزي والبنوك وتمكينها من الوفاء للمودعين وسداد التزاماتها وديونها الخ  .

كما حذر ابو غزالة من الحلول الشعبوية والمرتجلة لإصلاح الاختلالات في النظم السياسية والمالية .

فقد تناول المفكر العربي الدكتور طلال أبو غزالة ؛ بالبحث ، صندوق النقد الدولي لما لهذا الموضوع من حساسية بالغة  بخاصة بالنسبة للدول المتعثرة ماليا .. موضحا أن هذا الصندوق أنشيء في الأساس لتقديم المشورة المالية لمن يحتاج إليها ، وليس للإقراض ، ومن المهم إدراك انه ليس جمعية أو مؤسسة خيرية ، وإنما هو مؤسسة تمويلية تجارية أغراضها ليست إنسانية ولا إجتماعية وليس مهمته خدمة البشر ولا المجتمعات .

ويضم الصندوق شركاء أهمهم

وتسيطر الولايات المتحدة الأمريكية على الصندوق باعتبارها أكبر الشركاء .. ويتشكل دخله كأي مؤسسة تجارية تمويلية من الرسوم التي يحصل عليها من الدول المشاركة فيه ، ومن فوائد الأموال المقرضة للدول ،  ويذكر ان الصندوق مرّ بأزمة بعد 5 سنوات من تأسيسه لعدم وجود زبائن  في حاجة للإستشارات أو الإقتراض .

وكشف د. ابو غزالة عن أنه عندما كان عضوا في مجلس الأعيان الأردني ، حدث أن استدعت الحكومة الأردنية ؛ صندوق النقد لبحث الإقنتراض منه لسد عجز الموازنة فكانت الوصفة التي قدمها الصندوق هي رفع الضرائب ، وقُدم قانون برفع الضرائب ، وقتذاك كان لـ د. ابو غزالة وجهة نظر أخرى ، مفادها أن رفع الضرائب لن تزيد دخل الدولة ، وهذا ما حدث فعلاً ففي السنة التالية إنخفض دخل الدولة من الضرائب ، فزيادة دخل الدولة من الضرائب يكون بزيادة قاعدة الدخل وليس برفع الضرائب ، ويكون أيضاً بسن قانون لتنمية وتحفيز الإقتصاد للنهوض بالنمو الإقتصادي.

يشرح ابو غزالة مقولته العميقة هذه بقانون ” حساب الحساسية ” إذ ليس صحيحاً أن زيادة سعر الفائدة يزيد الدخل بشكل طردي، وإنما بزيادة قاعدة الدخل. ليس هناك حتمية بإزدياد حجم الدخل بنسبة زيادة الضرائب ، أو بسن قوانين ضرائب جديدة ، ويقدم مثالين فعند زيادة أسعار الضريبة للطيران لن يزيد عدد الركاب ، بل سيقل وهكذا بالنسبة للمطاعم عند زيادة الضريبة لن يزيد عدد الزائرين بل سيقل لذا يجب أن نضع بالحسبان (حساب الحساسية) ، بما هو الحد الأقصى الذي يجب أن نصل إليه .

وميز ابو غزالة  بين إصلاح النظام الديمقراطي وبين تغييره .. بين الحقيقة والشعبوية ، بين الديمقراطية وبين ان يحاول كل 10 أشخاص فرض سياسات ومباديء لا علاقة لها بالحقيقة .. ويجعلونها كأنها شيء منزل ، مبيناً أن الحقيقة يجب أن تستند إلى استدلالات علمية وليست شعبوية ، وفي نهج الديمقراطية  يتم إنتخاب ممثلين وهم يتكلموا بالنيابة عن الشعب .

صندوق النقد الدولي مؤسسة هدفها الربح فهو مصدر دخلها واستمراريتها وهي لا تعرف ما أعرفه عن نفسي، هناك دول لا تحصى أودت وصفات صندوق النقد الدولي إلى إنهيار إقتصاداتها ؛ لأن تلك الدول  لم تعرف مصلحتها الحقيقية وسلامة القرارات.

يشدد ابو غزالة أن الإقتراض ليس هو الحل الوحيد لمعالجة المشكلات الإقتصادية للدول ، وقد استغلت سياسة الإقتراض المؤسسات الإقتصادية  .. منوهاً بأنه كان الوحيد الذي اعترض على زيادة الضرائب في مجلس الأعيان ورفض أن يؤيده ، وثبت بعد ذلك أنه كان على حق ، وأن  الأفضل التركيز على بناء الإقتصاد الوطني بحيث يزيد الناتج القومي وبنتيجته تزداد قاعدة الضريبة أي الوعاء الضريبي ؛ الذي نفرض عليه الفوائد ، وعليه فإن أفضل طريقة لزيادة دخل الدولة هي زيادة الوعاء الضريبي ، أي أن تكون الشركات رابحة ومنتجة وبالتالي تدفع ضرائب أكثر .

وعند الحديث عن الأزمة في لبنان أومصر بخاصة والدول العربية بعامة ، ينبغي فهم ومراعاة تلك العلاقة النقدية الثلاثية الوثيقة بين الحكومة والبنك المركزي والبنوك ، باعتبارها المتحكمة  بالقرار المالي ؛ مع ملاحظة أن صحة البنوك هي الأساس ، فإن لم تكن البنوك قادرة على إقراض الحكومات وقادرة على الوفاء ؛ تكون هناك مشكلة ، منوهاً بأن الأساس في الحركة النقدية والمالية في الدولة هي أن تكون البنوك في عافية ، محافظة على ملائتها المالية وقدرتها على السداد ، وبالتالي لا يمكن قبول قانون تفرضه أي مؤسسة سواء البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي أو الإتحاد الأوروبي ومجموعته إذا لم يتناسب مع هذه المعادلة الثلاثية,

منبهاً إلى أنه لا يكفي القول يجب زيادة الدخل وفرض الضرائب ، ولا إعادة هيكلة نظام حكم ما ، لأنه عند إعادة الهيكلة يجب إعادة هيكلة الحكومة لأنها هي من تصرف الأموال وبالتالي هي المشكلة.

 وحذر ابو غزالة من أن يجرنا صندوق النقد الدولي ، إلى إجراءات أحادية ، مستذكراً قولاً لـ روزفلت في الاقتصاد ، ليس هنالك قرار له نتيجة واحدة لأن كل قرار له أثار مختلفة، مشددا على ضرورة المحافظة على مقولة الثلاثية ومراعاة سلامة البنوك وقدرتها على السداد .. هنالك شبكة مصالح وودائع ومعاملات واستثمارات، ولأموال المودعين الأولوية، يجب أن ندرك أن دور البنك المركزي هو تحقيق التوازن بين المصارف والدولة وعلى الدولة أن تدرك بأن مصلحتها ليست في تحصيل ضرائب وايرادات جديدة فقط لأنه سيكون لها أثار سلبية في جوانب أخرى بالإقتصاد.

ونبه ابو غزالة إلى أن انخفاض العملة غير مقلق ( بعض الدول تخفض عملتها بقصد ترويج السياحة فالسائح يذهب للدول ذات الأسعار الرخيصة مقارنة بغيرها ) ، ويضيف انخفاض العملة ، ميزة للتصدير بأسعار رخيصة منافسة وهكذا تنموا التجارة أيضا .

بكلمات لا يجب الإستعجال بتوقيع إتفاقيات إقتراض من صندوق النقد الدولي، الذي يحقق ارباحاً كبيرة على حساب الدول المتعثرة مالياً التي تزيدها وصفاته تعثراً .. فالإقتراض منه يضعها تحت شروط صعبة تنقلها من تحت المطرقة إلى تحت السندان ، وإن لم تنفذ إشتراطاته يعلن إفلاسها أي أنها ننتقل من تحت الدلف إلى المزراب ، داعياً للإقتراض من الاسواق المالية ، التي لا تضع شروطاً تعجيزية ، لافتاً إلى أن الدول أعلم بمصالحها من صندوق النقد ، وأن الموضوع لا ينتهي بالإقتراض لسد العجوزات التي يجب أن تكون من خلال الإصلاح ، وليس التغيير ، ولكن هذا عمل ذاتي يجب أن يكون من ذات أهل البيت.

أقول ، لقد حرصت على أن آتي على رأي ابو غزالة بخصوص صندوق النقد الدولي رداً على من يتهمونه بما ليس فيه ، من قبل أدعياء وطنية وإيمان ، هم موضوعيا شاؤوا أم أبوا أقرب إلى التكفيروالغوغائية من االمواطنة الصحيحة والرشد ، وهم خدام بالمجان أو لقاء مقابل ؛ لأعداء الأمة  .

m.sh.jayousi@hotmail.co.uk

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى