من هنا وهناك

يد السياسة في عجين النفس البشرية.. مشلولة أم مسؤولة؟

حسن إسميك. رئيس مجلس أمناء مركز ستراتجيك للدراسات والأبحاث

أيّها السّياسيّون… ماذا فعلتم للإنسان؟ علاقة السياسة بالبشر، كانت دائماً إشكالية، وأنتجت الكثير من المفاهيم والأفكار الحاضرة بقوة في حياتنا، مثل الدولة والآخر والسلطة. ولئن بقيت هذه العلاقة متوترة في خضم العصر الرقمي وتغييراته، فهي مرشحة الآن للتبدل على نحو جذري في عصر الكورونا.
تفترض الحالة المثالية للتنظيم البشري أن تعمل السياسة على استقرار الإنسان في وطنه بأمان، بعيداً عن العنف والحرب والتطرف، فتنسجم أهدافها مع تطلعاته، وتحفظ نوعه وتنوّعه الثقافي، وتستمد قيمها من مبادئه، وتبني قواعدها على أسس العدالة والحرية والمساواة.
وفي أبسط تعريف للسياسة، يمكن القول إنها “مجموع الأهداف الداخلية والخارجية للدولة، والوسائل التي تستخدمها لتحقيق تلك الأهداف”. ومن الطبيعي ألا تتخذ الحكومة، باعتبارها رأس الدولة، قراراً إلا إذا تأكدت من أن المكاسب التي ستحقّقها منه أكبر من الخسائر التي ستتكبدها بسببه.
لكن، أين هو موقع الإنسان حقاً من هذا السلوك والوسائل؟ وهل تبرر الغايات استخدام الحكومات أي وسيلة ممكنة لتحقيقها؟ وهل تؤخذ بالحسبان النتائج المترتبة على ما ستحدثه هذه السياسات من تغييرٍ في الطبيعة البشرية؟ أم أنها ستُترك ليتم التعامل معها لاحقاً، أي بعد تحقيق الغاية؟
ثم من الذي يصنع الآخر على أرض الواقع، السياسة أم الطبيعة البشرية؟ أي هل السياسة هي وليدة الطبيعة البشرية؟ وهل يتوخى السياسيون الجانب “الإنساني” عند وضع سياسات معينة؟ أم أن السياسات صارت هي التي تشكّل طبيعة البشر؟
لقد شغل هذا السؤال الفلاسفة والمفكرين منذ بداية تحول التجمعات البشرية إلى مجتمعات، وظهور “كيان الدولة” بشكله البدائي، الذي كانت فيه سلطة الحاكم مستمدة كُلها من “تفويض إلهي” أو من كونها تمثيلاً لقيمة مطلقة أخلاقية أو معرفية أو طبقية كما في يوتوبيا أفلاطون مثلاً.. إلى أن أحدثت أفكار ابن خلدون وبعده مكيافيلي النقلة النوعية وحررت السياسة من المجرد والمطلق وربطتها بطباع البشر أنفسهم.
لقد رأى ابن خلدون مثلاً أن المحرّك الأساسي للحوادث السياسية والاجتماعية هو التناقض بين حياة أهل المدينة وأهل البادية، وأنه لا بدّ للأفراد من أن يتقيدوا بالقيم الدينية والأخلاقية كافة في تعاملهم مع بعضهم بعضاً. وفيما أشار مكيافيلي إلى أنه يمكن للحاكم استخدام أي وسيلة شرط أن تساعد في تحقيق غاية المجتمع، ومنها مفهوم القوة، فقد رأى أن القوة هي أساس الشرعية السياسية، وأن مدى نجاح السياسة يقاس بكيفية استخدامها القوة، كما اعتبرَ المعرفة السياسية، بمعنى الدهاء والحنكة، هي وحدها الفضيلة التي يجب على الحاكم التمتع بها.
أما القطيعة النهائية التي جعلت السياسة بشرية بالمطلق، فكانت على يد منظري العقد الاجتماعي، الإنكليزيين توماس هوبز ولوك والفرنسي جان جاك روسو. وبحسب نظريات العقد الاجتماعي، فإن الذات البشرية وفطرتها هي النواة الأولى في إنتاج الظاهرة الاجتماعية بصفة عامة، والسياسية بصفة خاصة، وبُنيت ضغوط التعاقد الاجتماعي لدى كل مفكر على رأيه بالطبيعة البشرية الأصلية.
كل هذه الأفكار تمخضت عن مفهوم “الدولة” بشكله الحالي، هذا الكيان السياسي بطبيعته، والذي يحتكر القوة، والعنف المشروع، ويعمل بحسب “مصلحة عليا”، وله منطق خاص هو “منطق الدولة” الذي يسمح لـ”رجال الدولة” باتخاذ تدابير استثنائية لحماية هذا الكيان، حتى وإن تعارضت أحياناً مع مبادئ أخلاقية، فردية أو عامة، أو في حالات معينة مع أهداف الدولة نفسها وقوانينها.
لكن، في العصور الحديثة بدأت تظهر مجموعة من المحددات التي لا يمكن إغفالها في عملية صنع السياسة والتأثير المتبادل بين الميول البشرية وعمل الدول، فالمصالح العليا للدول والسيادة بمفهومها التقليدي باتت معرضة للتهديد في العالم بصورته الرقمية الراهنة. من هنا بدأت الحكومات تنتج أساليب جديدة تضمن لها الحفاظ على سيطرتها. في هذا السياق، يمكن الإشارة مثلاً إلى ما قاله المفكر الإيطالي أمبرتو إيكو عن الحكم بواسطة سياسة زرع الخوف واختراع الأعداء، إذ يذكر في دراسة له بعنوان “اختراع العدو” أن “وجود العدو مهم ليس لتحديد هويتنا فحسب؛ بل – أيضاً – ليوفر لنا عائقاً نقيس إزاءه قيمنا، ونثبت – أثناء محاولتنا تخطيه – قيمتنا”.
ولتبيان ذلك، لننظر مثلاً من حولنا، فإسرائيل المدعومة من القوة العظمى في العالم، والقادرة بترسانتها العسكرية على خوض حروب كبرى، تستغل وجود الأحزاب الراديكالية كـ”حماس” و”حزب الله” و”الجهاد الإسلامي” كي تبقي الشعب الإسرائيلي تحت تهديد الخطر المحدق، لما يحققه هذا التهديد من مكاسب سياسية على المستوى الداخلي. كما تستفيد من تحشيد الحلفاء ودعمهم على المستوى الخارجي، خاصة في صراعها غير المباشر مع إيران، والتي هي الأخرى تستنفر شعبها بحجة العداء مع إسرائيل وأميركا في العلن، بينما تتبادل معهما صفقات الأسلحة ورسائل التفاوض في الخفاء.
في المقابل، تثير إيران و”القاعدة” وأخواتها بالنسبة الى الغرب موجة الإسلاموفوبيا التي تروّج للخطر الذي يهدد الغرب كله على غرار حوادث سبتمبر (أيلول)، مع العلم أن ما تبقى من “القاعدة” مثلاً فئات قليلة وضعيفة تسكن الكهوف في أفغانستان، ولا تستطيع الوصول إلى كابول، فما بالك بالقدرة على توجيه ضربات موجعة لدول غربية. هذه الأمثلة وغيرها كثير قرائن واضحة على الأدوات التي تستخدمها السياسة في ضبط رادارات فعل الشعوب وفق ما تخطط له الحكومات وشركات السلاح، أو قد تستخدمها أحياناً لتبرير توسيع النفوذ السياسي والعسكري، على شاكلة الأسباب التي تعلنها واشنطن كي تفتح أمامها أبواب الشرق الأوسط من قبيل نشر الديموقراطية ومكافحة الإرهاب.
وإذ كانت الأخلاق تعتمد في عملية التمييز والمحاكمة على قطبي الخير والشر، فإن السياسة ترتكز في محاكمتها للأمور على ثنائية العدو والصديق، بحسب تعبير الألماني كارل شميث، ويمكن أن يتم التمييز بينهما بمعزل عن المؤثرات الأخلاقية. ومن ناحيته، أشار هوبز إلى معنى مشابه حين رأى أن الطبيعة البشرية في حالة صراع دائم لا يمكن حلّه إلا بتنازل أفراد المجتمع عن حقوقهم وحرياتهم لمصلحة سلطة تعمل على إيجاد عدو مشترك للمجتمع يقوّي الرابط بين أبنائه، ويمنح هذه الجماعة وعياً خاصاً بها من خلال وجود الآخر، ولا ينجو من هذا التوّجه حتى الدول الديموقراطية التي تلجأ في حال الحرب إلى تركيز الفضائل في جانبها والشرّ المطلق في عدوها.
واللافت أن دراسة بعنوان “التأثيرات الجينية على الأيديولوجيات السياسية” أجراها عدد من الباحثين، بقيادة بيتر حاتمي، عالم الأوبئة الوراثية في جامعة سيدني، ونُشرت في دورية Behavior Genetics عام 2014، اعتبرت أن المواقف السياسية تتطور اعتماداً على بيئة الفرد بنسبة 60% تقريباً وعلى جيناته بنسبة 40%. وهذا يعني أن توجهاً سياسياً معيناً أو كراهية عدو ما، يصبح أمراً وراثياً، إذ “نرث جزءاً من كيفية معالجتنا للمعلومات ورؤيتنا للعالم ونظرتنا للمخاطر والتهديدات التي تحيط بنا”.
أما في عصرنا الحالي، فقد منحت المنجزات التكنولوجية الفرد قوة سبق أن احتكرتها الحكومات طويلاً، فأًصبح الوصول إلى المعلومة يسيراً لا يكلف الكثير ومتاحاً بصورة أكبر، واتسع نطاق حريات الإنسان مع تراجع قدرة الحكومة على التعتيم والحجب، وفُتحت أمامه مجالات العمل السياسي العابر للحدود، الأمر الذي دفع الباحث الأميركي جيرمي ريفكن صاحب كتاب “الثورة الصناعية الثالثة” إلى القول بأن “الدولة الأمة لن تقوى على الصمود على الأقل في صيغتها الراهنة”.
وأفضى وصول جماعات جديدة إلى مجال التأثير في الرأي العام والقرار السياسي إلى بروز تيارات رأي خارج الأنساق التقليدية لتشكيل التوجهات، وظهر ما يسمى بالديموقراطية الرقمية (تصويت إلكتروني، حكومة إلكترونية..)، ما أوحى بتراجع غير قليل في قدرة الديموقراطية بشكلها التقليدي على تأدية متطلبات العصر الرقمي.
في السياق ذاته، أشارت مقالة نشرتها مجلة “إيكونومست” البريطانية عام 2017 إلى أن السياسة تبدو الآن أكثر قبحاً من جنوب أفريقيا إلى إسبانيا. وعزا السبب في جزء منه إلى المعلومات المضللة التي تحضّ على الكراهية وتبثها وسائل التواصل الاجتماعي، فهي تعمل على تعميق الانقسامات الاجتماعية.
ولكن، برغم كل ما تقدم، تحتكر الدولة الأمن حتى في المجال الرقمي، وما زالت تضع قواعد تنظيم البيانات والمعلومات، ما يعني بالتالي أنها تستطيع الحدّ من التأثير الذي منحه العالم الافتراضي للأفراد، مستفيدة من قدرة الفضاء الرقمي على إعادة إنتاج الهوية من خلال ما يتيحه من تفاعل مؤثر في الأفكار والعقائد. وبذلك تحوّلت نقطة ضعفها إلى قوة في بعض الحالات، ما يحتم عليها وضع قواعد جديدة للسياسة تتناسب مع توجّه إنسان العصر الرقمي، من دون أن يشعر أنها تتحكم بحياته بما يهدد حرياته التي يعتز بها، كما يقتضي منها أن تتحمل مسؤولية أداء المهمة التي وجدت من أجلها في الأساس، أي حماية الفرد من العنف وآثاره القريبة والبعيدة. وهذا هو العامل الذي يلعب دوراً رئيساً في تحديد توجهات إنسان العصر الحديث، ويؤثر في خياراته وتفاعله مع الغير.
لا تقتصر التحديات التي تواجه “السياسة” في العالم على تلك التي تصدر عن البشر، والمثال قائم أمامنا جميعاً اليوم، فقد استقبل العالم زائراً غريباً أواخر عام 2019، استطاع برغم صغر حجمه أن يهدد الديموقراطيات ويؤسس لشكل جديد من العلاقات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية بالضرورة، ويترك آثاراً يتنبأ البعض باستمرارها طويلاً. لم يكن هذا الزائر سوى فيروس كورونا الذي أخذ يجتاح الدول تباعاً، غير مكترث بالجغرافيا، وراح يخترق الأمن الرقمي والاستخباري، من دون أن يعبأ بالتكنولوجيا، وهو يضع الإنسانية كلها في كفة واحدة ليتخذ منها هدفاً له ما، جعلها سواسية أمام الخطر الداهم. وكشف عن الأنانية التي تميز الدول خصوصاً. أحسسنا لوهلة من الزمن أن كل ما قدمته الدول من ضمانات للحياة البشرية طيلة عقود، قد أصبح في مهب الريح، حتى شعرنا أننا نمر اليوم في مرحلة تاريخية لا مثيل لها بدا فيها العالم مقلوباً رأساً على عقب، بحسب تعبير المفكر الكندي الفرنسي آلان دونو. وبات لزاماً على الحكومات أن تدافع عمّا بنته، وتحاول إحكام السيطرة على نتائج الجائحة التي لم تنتهِ بعد، لذلك كان لا بدّ من محاولة إعادة سيطرتها من جديد أمام سلطة الطبيعة.
كانت جائحة كورونا بمثابة جرس أيقظ العالم، أفراداً وحكومات، من سبات عميق غطوا فيه طويلاً. وأعادت طرح مفاهيم من قبيل “أنسنة” السياسة وإرجاعها إلى مسارها الطبيعي في العمل لمصلحة المخلوق العاقل قبل أن تنكر لدورها هذا وتتسع المسافة بين صانعي السياسة والأفراد العاديين. كما نبهت إلى وجوب نقل سياسات الدول من مفهومها الوظيفي الضيق القائم على “المصالح العليا” وحسب، إلى أفق أوسع منسجم مع الفطرة الإنسانية الطبيعية، ومبني على أسس المشاركة بعيداً عن الشعبوية، وعلى قيم التعاون والانفتاح وتبادل الخير بين الشعوب، حتى لا تلحق السياسة بالاقتصاد “المتوحش” الذي صار الإنسان فيه مجرد أداة قابلة للاستبدال.
فماذا ستفعل الدول أمام هذا الاختراق المفاجئ والصادم والذي لا يزال يرمي الإنسانية بسهامه القاتلة؟ وكيف سيكون تأثير السياسة في الطبيعة البشرية التي باتت تشهد تغيرات في بعض خصائصها؟ وهل يملك السياسيون خططاً وأدوات مؤثرة في هذه الحرب أمام عدو يتهدد البشرية جمعاء؟
لن تنفع المتاريس المنفردة في هذه المرحلة، فكلنا معاً في القارب نفسه. لذلك لا بد من أن يعمل السياسيون على إعادة تعريف قضايا سياسية رئيسة، كالسيادة والسلطة والتعاون و”المصالح العليا”، حتى يكونوا قادرين على احتواء إنسان العالم الرقمي الجديد، وقادرين أيضاً على الإجابة عندما يطالبهم بـ”جردة حساب” سائلاً: أيها السياسيون… ماذا قدمتم لنا كبشر؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى