من هنا وهناك

أين العرب من “نهم الكفاءة”؟

حسن إسميك. رئيس مجلس أمناء مركز ستراتجيك للدراسات والأبحاث

قد يستغرب بعضُ القراء ممن يتابعون كتاباتي كيف وقع اختياري على مفهوم “الكفاءة”! لقد عودتهم الابتعاد في العموم عن المواضيع التقليدية، والخوض في غمار المسائل والأفكار الجدلية. وها أنا أتناول مفهوماً قد يبدو معروفاً بالنسبة إلى معظمنا.

لكن دعونا لا نتوقف عند الانطباع الأول للمصطلح، ولنتجاهل معانيه المألوفة التي تبلورت ضمن سياقاتنا المعرفية وخبراتنا السابقة عنه، ومفادها أنه ضرورة لا جدال حولها، وأنه يجب أن يتمتع بها الجميع أثناء تأديتهم للعمل. باختصار، لنتركْ السهل في تعاطينا مع المفهوم ونتصدَّ للممتنع فيه، أي “نهم” الكفاءة.

كان نهم الكفاءة هو المحرك الخفي للنشاط البشري منذ فجر الخليقة، ومع تقدم مجتمعاتنا صرنا مهووسين بالإنجاز. وأوضح دليل على ذلك هو كمّ النصائح والتوجيهات المنتشرة على صفحات الكتب والمجلات ومواقع الإنترنت التي تقدم أطناناً من الأفكار و”الحيل والأسرار” التي تساعدنا على إنجاز المزيد.

في القرية الكونية التي نعيش فيها، ورغم أن الاقتصاد يوفر لبعض الدول القوة الناعمة التي تتيح لها السيطرة على دول أخرى دون إراقة قطرة دم واحدة، مازلنا نبحث عن المزيد من الكفاءة على صعيد صناعة الأسلحة الفتاكة

أضف إلى ذلك كمّ التطبيقات الذكية التي تعيننا على تنظيم مواعيدنا وإتمام مهامنا واستثمار وقتنا بالكامل. تشكل هذه البرمجيات الإنتاجية (Productivity Apps) صناعة قائمة بذاتها تتنامى بوتيرة سريعة، حتى أن قيمتها باتت تُقدر بحوالي 90 مليار دولار في العام الحالي في الولايات المتحدة وحدها، وفقاً لأرقام صادرة عن آيبس وورلد، التي تعتبر أكبر قاعدة بيانات لأبحاث الصناعة والسوق.

لا يمكن تحديد لحظة تاريخية معينة يمكن اعتبارها نقطة البدء التي ظهرت فيها هذه النزعة إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الكفاءة. لكنني سأغامر بإرجاعها إلى الاقتصادي آدم سميث الذي قال، خلافاً لمن سبقوه، إن العمل المنتج هو المقياس الحقيقي لثروة الأمم، ودعا إلى التخصص في الإنتاج على المستوى الدولي بحسب الميزات النسبية والمطلقة، من أجل زيادة الكفاءة ومعها كمّ السلع المنتَجة، وبالتالي رفع مستوى الرفاهية في العالم.

وفي مجتمع التكنولوجيا، التي بدأت بالظهور بالتزامن مع الثورة الصناعية، واستبدال معظم طرق الإنتاج اليدوية التقليدية بأخرى مُمكننة ومُؤتمتة صارت الكفاءة أولوية قصوى. لقد أنتجت هذه الثورة أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر حالة من “الجنون” لإنتاج المزيد بسرعة أكبر. والمجتمعات الرقمية التي تعتمد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في كل مناحي الحياة هي بالأساس وليدة “نهم الكفاءة”.

في هذا السياق لا يمكننا أن نغفل أن لنهم الكفاءة وجههُ المظلم، فالإنسان الذي بحث عن الكفاءة يوماً والتمتع بفترات أطول من الراحة بات اليوم يستهلك من وقته ليشبع نهمه إلى الكفاءة، فتحول العمل بحد ذاته إلى قيمة انفصلت عن هدفه الأسمى منه وهو تحقيق النفع الخاص والعام.

 

البحث عن الكفاءة  هو سلاح ذو حدين، ولاسيما في عالمنا الذي يشهد سباقا على صناعة آلات الدمار، كما تعاني مجتمعاته الغارقة في سبات الماضي من التسليع. مع ذلك نحن العرب أحوج ما نكون إلى نهم الكفاءة كي نلحق بركب الأمم

أما على مستوى الدول فيظهر الجانب الأسود للبحث الدائب عن الكفاءة حين يتعلق الأمر بموضوع التسلح مثلاً. ورغم أن القرن العشرين قد عانى من حربين عالميتين بالإضافة إلى الكساد العظيم ظلت “الكفاءة” ذات أهمية محورية حين يتصل الأمر بتصنيع السلاح والسلع اللازمة لدعم الجهود العسكرية، وذلك قبل تصنيع أي من الحاجات البشرية المتزايدة.

واليوم، ونتيجة “نهمنا إلى الكفاءة”، نكاد ننقل “حرب النجوم” من عالم الأفلام إلى أرض الواقع، فقد بدأت بالفعل عسكرة الفضاء منذ أيام الحرب الباردة.

في القرية الكونية التي نعيش فيها، ورغم أن الاقتصاد يوفر لبعض الدول القوة الناعمة التي تتيح لها السيطرة على دول أخرى دون إراقة قطرة دم واحدة، مازلنا نبحث عن المزيد من الكفاءة على صعيد صناعة الأسلحة الفتاكة، الأمر الذي يؤكد وجود جانب عدواني لـ”نهم الكفاءة” في المجتمعات المتقدمة رقمياً، يقابل الجانب العدواني للبشر. وليس من المبالغة القول إن الجنس البشري في المجتمعات الرقمية يسعى لاختراع أكفأ الأدوات لإبادة نفسه، بدلاً من أن يسعى لتحقيق السعادة التي ينشدها!

لكن ماذا عن المجتمعات غير الرقمية، التي لم تلحق بعد بركب التقدم، في سباق التطور التكنولوجي؟ ماذا عنّا نحن العرب؟

في حين بات “نهم الكفاءة” يتحول إلى مشكلة في المجتمعات الغربية لازلنا في العالم العربي، أو في معظمه، نفتقر إلى أدنى مستويات الكفاءة، ما يسبب لنا أزمة معقدة وعلى مستويات متعددة. يزخر العالم العربي بأصحاب الكفاءة العالية، لكن معظم هؤلاء يقعون ضحايا للبيروقراطية والنزعة التقليدية في مجتمعات تشكو عدم الاستقرار وترزح تحت سيطرة أنظمة متسلطة، فيستسلمون لها أو يهاجرون.

ليست خسارة “الأكفاء” هي الوجه الوحيد لمشكلتنا في العالم العربي، بل نحن نعاني أيضاً جراء وقوعنا ضحية لـ”نهم الآخر للكفاءة” في الغرب على وجه التحديد. هكذا نقضي ساعات طويلة في مشاهدة برامجهم التلفزيونية وأفلامهم المذهلة، ونصرف معظم يومنا على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي أبرز نتاجات المجتمعات الرقمية، ونسارع لشراء أحدث الأجهزة الذكية والكمبيوترات وحتى الألعاب المتطورة تكنولوجياً، ولعل بعضنا يعطيها أولوية حتى على الطعام والشراب.

في مجتمع التكنولوجيا، التي بدأت بالظهور بالتزامن مع الثورة الصناعية، واستبدال معظم طرق الإنتاج اليدوية التقليدية بأخرى مُمكننة ومُؤتمتة صارت الكفاءة أولوية قصوى

هذا يعني أننا لم نأخذ من التقانة إلا قشورها ولم تخلصنا الثورة التكنولوجية من مشكلاتنا ومن فقرنا، بل حولت أغلبنا إلى فقراء يمتلكون هواتف ذكية!

لا نمتلك كعرب اليوم ترف التفكير بالأوجه السلبية للسعي المحموم إلى تحقيق الكفاءة، فنحن لم نحقق بعد أدنى مستوياتها، بل نحتاج أن نعمل ونجدّ ونبذل قصارى الجهد ونستثمر الوقت كله، فالزمن لن يقف لانتظارنا. وخلافاً للغرب، علينا أن نزيد سرعتنا على الصعيد الفردي، لأن متطلبات الحياة تفرض علينا ذلك ولأن الله عز وجل كلفنا بالعمل في كتابه قائلاً “وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ”، كما أن رسول الله عليه الصّلاة والسّلام قال “إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ” فكأنه يوصينا بالكفاءة.

أما على مستوى الدول والحكومات فيجب أن نسرع في تحقيق السلام في منطقتنا، لأن الاستقرار وبالتالي الإنجاز دون سلام هما من رابع المستحيلات. كما نحتاج إلى الاستثمار في مواهب الشباب العربي وقدرته على خدمة الأوطان، وإلى الانفتاح على الآخر، سياسيا واجتماعيا، لنشاركه معرفته ونوطنها في بلداننا قدر الإمكان ونعمل على تطويرها بما يناسب احتياجاتنا، لأن السباق الحضاري محموم وقاسٍ لا يسمح بالتقاعس ولا يعطي الكثير من الفرص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى