من هنا وهناك

اسميك يكتب : “إبراز الهوية”… إذْنُ العبور إلى الضفّة المقابلة

حسن إسميك. رئيس مجلس أمناء مركز ستراتجيك للدراسات والأبحاث

في ثلاثينات القرن الماضي، عرض المسرحي المصري توفيق الحكيم أشهر مسرحياته وعنوانها “أهل الكهف”، معالجاً فيها هذه القصة الدينية خارج إطار الإعجاز الإلهي في النص القرآني. فقد طوّع القصة ليجسّد الصراع الأزلي ما بين الإنسان والزمان والمكان، بل بين الإنسان والزمان الذي تجاوزه. فأهل الكهف في روايته فرّوا إلى الموت مرة ثانية برغم بعثهم من جديد، لتفشي الإحساس بالغربة والوحشة في نفوسهم، بعدما وجدوا أنفسهم وسط زمان غير زمانهم وأناس غرباء عنهم، فكانوا غير قادرين على استيعاب هويتهم التي فُقدت، بعدما انقضى الزمن عليهم.
تُغيِّر هذه المسرحية الحالة الذهنية لقارئها، وتستنهض الكثير من الأسئلة التي تدور في فلك إشكاليات الهوية التي تتعرض لها الشخصية العربية في يومنا هذا. فإذا كان فقدان الهوية الفردية (من اسم، وعمر، ونسب، وعادات وتقاليد، وانتماء، وما إلى ذلك من سمات تكون شخصية الفرد عبر الزمن وتعطيها التميّز والفرادة) يؤدي بطبيعة الحال إلى الانكماش والنكوص نحو الوراء، فكيف سيبدو عليه الوضع، في حال فقدان الهوية الجماعية لمجتمع ما، أو دولة ما، أو حتى لوطن كامل؟
كلّ الظنّ، أنّ الكهف سيكون دائماً بانتظارها من دون رحمة…
لسنا هنا، في مناسبة الحديث عن الهوية العربية، بصدد تعريفها أو الغوص في تركيبها وتحليل بناها، بل نحن بصدد جرّها إلى هذا العصر، وإعادة تقديم الولاء والانتماء لها، ضمن علاقة مترابطة بين الشخصية العربية كمفهوم فردي وجمعي على حد سواء، لتحقيق التقدم المرجو والمكانة التي يجب نيلها، وصولاً إلى التأثير في الساحة العالمية في السباق الحضاري الحاصل على وجه العموم.
من نافل القول إن الحقيقة تكمن في التاريخ، بيد أنها لا تعيش فيه فقط، بل تخرج منه بصيغ حداثية مختلفة كلما فتحت عجلة التطور أبوابها، تاركةً وراءها شعوباً كاملة تستوطن ماضيها وتعتاش على ذاكرتها. تلك هي المصيدة التي وقعت في فخها الشعوب العربية التي أولت ماضيها الولاء كله، وأخذت سماتها منه من دون أن تنفض حتى الغبار عن هذه السمات، فصارت سجينة الأمجاد الماضية، في وقت بات فيه الحال أضعف ما يكون نتيجةً للتفكك والتقهقر وللحروب والنزاعات، الأمر الذي جعل الإنسان العربي يكرر – وكأنه في دائرة مفرغة – خطأ التمسك بالماضي متخذاً منه ملجأً من النكسات والانكسارات المتتالية، وتجاهل الحاضر والمستقبل.
ولأن الهوية بمفهومها العام لا تُعطى للإنسان جاهزة على طبق من فضة، بل تتشكل في وعيه تلقائياً ونتيجة عوامل عدة أهمها وسطه المحيط؛ ولأن الوسط المحيط عموماً، والعربي خاصة، بحكم جغرافيته الواسعة، وتعدّد روافده الإنسانية والتاريخية، يتأثر ويتفاعل مع معظم المتغيرات السلبية الاجتماعية والسياسية، وحتى الاقتصادية منها والثقافية، نجد أن التحول في صوغ الهوية العربية أدى إلى التراجع في طريقة إبرازها وتأكيدها، الأمر الذي يفسّر نمو الهويات الإثنية والدينية والعرقية والمذهبية وتمددها على حساب انحسار الهوية العربية الجامعة، وكردّ فعل على تدهورها ولا استقرارها منذ التحرر من القبضة العثمانية، ومن ثم الاستعمار الأوروبي وصولاً إلى سيطرة بعض الأنظمة الفاسدة أو التقليدية أو المؤدلجة على مفاصل الحكم.
نتكلم عن الهوية، لأن معظم مصادر النزاعات في العالم تنشأ من الاختلافات الثقافية والحضارية بين الأمم، تبعاً لصامويل هنتنغتون، وبرغم ذلك لا يمكن القول إن الدول العربية في إطار عملها الجماعي الهزيل، تمكنت من صوغ هوية جامعة لكل مكوّناتها، بحيث تستطيع أن تبني عليها رؤية استراتيجية عربية في هذا “الصدام الحضاري”، ناهيك باللغط الحاصل بين العروبة كهوية قومية شعوبية، والإسلام كمكوّن لها وكقاسم مشترك بينها وبين هويات أخرى، إذ تميل كلتا الهويتين إلى الانخراط في صراع عالمي لإثبات الذات، منفردة بحاضرها، ومعتمدة على حصتها الخاصة من القصص التاريخية. الأمر الذي يؤدي مجدداً إلى ارتكاس في الهوية الجامعة، لمصلحة الهويات الجزئية، لتشق الطريق وحيدة برغم صعوبته.
يد واحدة لا تصفّق، هذه هي تحديداً لعنة التاريخ على الأمم التي آثرت السّير وحدها، فكما يستحيل لحضارة أو أمة معينة أن تولد من فراغ، يستحيل لها أن تستمر من دون الاعتراف بما حولها والاقتباس منه. لذا فمن الضروري تأكيد “الانفتاح” كسلاح ديناميكي يحمي من الاندثار، ويحافظ على التقدّم والانخراط في المسيرة العالمية. وكما أن لكل شيء في الحياة ضوابطه، كذلك الانفتاح، فنحن لسنا بصدد تغيير الولاء، أو مسح الموروثات الثقافية، بل كل ما نحتاجه هو التزاوج الفكري والعلمي، لمحو الالتباس القائم، وتقليل الهوة الحاصلة بين الغرب والشرق.
ومع تباين المؤثرات التي تعترض صيرورة مفهوم الانفتاح هذا وتبدلها ما بين الحرب ومفرزاتها في الماضي القريب، وبين العولمة الثقافية التي غزت كل شيء، فقد بات من الملحِّ والضروري طرح إشكالية العلاقة بين الهوية العربية ومجتمع التكنولوجيا العالمي، إذ تتمحور هذه الإشكالية حول فشل مجتمعاتنا في حل معضلة العلاقة بين الأصالة المتجذرة والحداثة المتسارعة، وبالتالي غياب أو تخلف محددات هويتها المعاصرة، ما جعلنا أمة تمتهن الاستقبال لا الإرسال. ومع تزايد تداعيات ثورة الاتصالات، ظهر الضعف في القدرة على “إبراز” هذه الهوية أمام الدول والأمم الأخرى المستخدمة للإنترنت، بخاصة مع تفاقم مفهوم الثقافة الثنائية التي أفرزها التعليم الأجنبي في العالم العربي.
ليس الخوف من “الغزو الثقافي” حكراً على الأمة العربية وحدها، بل هو خطر على أمم أخرى في الوقت نفسه، وللعربي الحق بالتّصدي لكل الدعوات التي تهدّد بزوال هويته، سواء أكانت تلك الخارجية التي تحاول ابتلاعه، أم المتساهلة التي ترى في التخلي عما بيننا من روابط والتماهي مع الآخر ضرباً من الإيجابية المطلقة، أو تلك الهويات التي تعرف نفسها بمعاداة الآخر ورفض حضارته. ذلك أن طريق الخلاص من هذا المأزق يكمن في الحوار والاعتراف بالاختلاف والتنوّع كأهم رافد حضاري للتمايز والابتكار، واعتماد مبدأ الإصلاح في جوانب الحياة المختلفة، أسوةً بالأمم التي تفاعلت مع متغيرات هذا العصر من دون أن تفقد من هويتها الكثير، الصين واليابان مثالاً على ذلك.
يجسِّد المثل القائل: “إلى أن يتعلّم الأسد الكتابة، فإن كل قصة ستمجّد الصياد”، الفارق ما بين الفاعل والمنفعل في “الصراع” العالمي حول الهوية. لذا فإنه لا بدّ لنا نحن العرب من تعلم الكتابة بمفهومها الجديد لا بمفهومها الحَرفي، ما يعني إعادة صوغ الآفاق الجديدة للانتقال من دور المستمع، إلى دور الرّاوي. ولكي يكون الراوي ضليعاً بدوره، لا بد من تحقيق التوازن بين ما هو مادي وروحي، وبين مبدأ الاجتهاد والانفتاح، ذلك لأن الهويات الجاهزة والمغلقة ستبقى قيداً يحرم الأمة من تطوّرها وتقدّمها. أما مسؤولية تحقيق التوازن في هذه المعادلة فتقع على “المعرفة” بكل أبعادها، فهي القادرة بقوتها على نحت الهوية الملائمة للشخصية العربية المعاصرة، وإخراجها بالشكل الصحيح إلى العلن.
ولحسن الحظ.، فإن القارب المتوجّه إلى الضفة المقابلة لا يزال قادراً على استيعاب ركاب فاعلين جدد، لذا علينا كعرب الإسراع في فتح النوافذ والأبواب، للإطلالة على حياة العصر وروحه، ولنكون شريكاً فاعلاً يأخذ ويعطي في تفاعل وحيوية مع شركائنا في الحضارات الكونية من مختلف الشعوب وشتى الأمم. وإلا، فسيكون ظلام كهف “الحكيم” بانتظارنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى