ضوء في نهاية النفق

طلال أبو غزالة مفكر عربي شامل النظرة ، لا يقتصر على زاوية واحدة من الصورة

عين الاردن

يتنقل في تكامل مذهل من زهرة لأخرى وفكرة لثانية فثالثة .. منتجا عسلا طيبا مختلفا ألوانه فيه شفاء ونفع للناس والمجتمعات

يرى في العلم والتعلم والتعليم والمعرفة خشبة خلاص الأمة ..ولا ينس واجباته تجاه وطنه المحتل ولا تجاه  أمته

يرى ضرورة أن يتواكب التعليم مع المستقبل ومع التقدم السريع في مجال الإبداع والابتكار، والمهن المستقبلية التي تقوم على تقنية المعلومات والذكاء الاصطناعي

برامج التعليم والتدريب الفنّي والمهني في وضعها الراهن لا تتواكب مع احتياجات الانتقال من الدولة الرعويّة إلى الدولة الانتاجيّة

الدول العربية لا ينقصها شيئا لتكون في مقدمة الصناعات التقنية بمقاييس عالمية وتنافسية، لكن يلزمنا التحلي بالقوة والثقة بالقدرة على التقدم عن العالم الغربي

محمد شريف الجيوسي

يتميز المفكر العربي الدكتور طلال أبو غزالة بأنه مفكر شامل النظرة ، لا يقتصر على زاوية واحدة من الصورة دون عداها ، حيث لم تتناول معالجاته واهتماماته وأفكاره ومشاريعه  مجالاً معينا فحسب ، فالنجاح والتقدم في الحياة سواء على صعيد الأفراد أوالمؤسسات أوالدول والمشاريع الكبرى والأحلام العظيمة ، لا تقتصر معارفها وتطلعاتها على نسق واحد ، بل لا بد أن تتوافر على حزم عديدة من الإهتمامات والتطعات  والقضايا ، وصولاً للتكامل وتوافر عناصر التفوق ، بل إن ( التخصص المفرط ) من عناصر الجمود وتآكل االعقول وسباتها ، وقتل للإبداع والإبتكار واستشراف المستقبل واستباق الزمن .

أبوغزالة من ذاك النوع الذي لا يتوقف عند إنجاز محدد ، ولا يقتصر على  مشروع معين فلا يتعداه إلى مشاريع أخرى ، يتنقل في تكامل مذهل من زهرة لأخرى وفكرة لثانية فثالثة .. منتجا عسلا طيبا مختلفا ألوانه فيه شفاء ونفع للناس والمجتمعات .. ومنه إلى أعسال وغير أعسال ، ما يستحق التوقف عند مدرسة هذا الرجل المتميز في صناعة الحياة ، من تحت الصفر ، حتى قمم إنجازات لا تنتهي ، ومن طموح لأخر فآخر .

وهو مع كل ما سبق لا ينس واجباته تجاه وطنه المحتل ولا تجاه  أمته ، متفكراً فيما يرفع مكانتها  ويعزز عظمتها ويستعيد دورها ويحقق تكاملها ووحدتها .

ويرى أبو غزالة في العلم والتعلم والتعليم والمعرفة خشبة خلاص الأمة ، ليس بهدف حصول كل مواطن على وظيفة ( مع أهمية ذلك ) وإنما بهدف تحقيق مستقبل مشرق ؛ وأمة مكتفية ذاتياً غير مدينة وممسكة بكل عناصر قوتها وتألقها ،  فالعلم والمعرفة ، المنطوية على الإبداع والخَلق لقادرة على تلبية احتياجاتها والبناء على الإنجازات في متوالية لا تتوقف .

هاجم أبو غزالة ،أساليب التعليم العربي  باعتبار أنّه يخرّج باحثين عن عمل… لا مبدعين ولا مبتكرين أو مخترعين،مشدداً نحن في منطقتنا العربية في حاجة لـ الابتكار،  وعليه فلا خسارة في إقامة مدارس وجامعات تعلّم الابتكار باعتباره استثمارًا، مشدداً على أن أسوأ الإستثمارات تكون في الأشياء الثابتة ، لكن الاستثمار في الابداع المعرفي هو ثروة تغنيك عن كل شيء.

من الضروري يقول أبوغزالة ، أن يتواكب التعليم مع المستقبل ومع التقدم السريع في مجال الإبداع والابتكار، فالمهن المستقبلية التي تحتاجها المنطقة  تقوم على تقنية المعلومات والذكاء الاصطناعي، فمجتمعات المعرفة  ستحرّك كل شيء فيه جهاز حاسوب  ويعتمد على الإنترنت في جوانب حياته المختلفة .

وستكون هناك مهناً رائدة في السنوات الـ 10 المقبلة ، في حقول تقنية المعلومات، والصناعات الدقيقة، وصناعة الأدوية، والمهن السياحية، والصناعات الزراعية والطاقة البديلة..فالدول الضعيفة تقنياً ومعرفيًا، تكون متخلفة إقتصادياً ، فيما الدول التي تتوفر على التقنية والمعرفة نجدها تخترع أجهزة تساعدها في الإنتاج والتطوير لإنتاج أكبر مما هو حاصل ، بأقل وقت ممكن ، وما لا يمكن تطويره تقنيًا ، لن يستطيع منافسة الأجهزة والاختراعات المتطورة.

وبما أن الدول الأخرى تقدمت تقنيًا وأصبحت دولًا منتجة،أصبحنا نحن نستخدم منتجاتها ولم نفكر يومًا بالاعتماد على أنفسنا وأصبحنا دولا ومجتمعات إستيراد وإستهلاك ، بدلًا من  تطوير مزايانا والتحول إلى دول منتجة ، بالتالي ازداد العالم تقدمًا وازدهارًا وازددنا تخلفًا وتراجعًا.

وإعتبر أبو غزالة أن برامج التعليم والتدريب الفنّي والمهني في وضعها الراهن لا تتواكب مع احتياجات الانتقال من الدولة الرعويّة إلى الدولة الانتاجيّة، حيث بقيت الاختصاصات في إطارها التقليدي وأصبحت خارج الزمن.

ورغم كل هذه الصورة القاتمة ، يوجد في منطقتنا العربية مؤسسات رائدة ، فمجموعة أبو غزالة العالمية  ـ مثلا ـ قررت دخول عصر التكنولوجيا، فأنتجت وصممت أول حاسوب محمول وأجهزة لوحية ذكية بتمويل عربي وباسم عربي بالكامل ، ودون أية شراكة مع غيرها سواء كانت شراكة غربية أو شرقية أو أجنبية ، صناعة عربية بالكامل،  بل وبسوية أعلى من أعلى المستويات المتوفرة في الأسواق وبأسعار أدنى .

ومن الممكن تحقيق هذا التفوق  عربيا في مجالات أخرى أيضاً ، بصناعة أجهزة ووسائل تكنولوجية متطورة توازي المقاييس العالمية، مشددا على أن الدول العربية لا ينقصها شيئا لتكون في مقدمة الصناعات التقنية بمقاييس عالمية وتنافسية، ولكن ما ينقصنا هو التحلي بالقوة والثقة بالقدرة على التقدم عن العالم الغربي كما كان تاريخنا قائدًا للعالم لقرون .

داعيا لإنتهاج الدّول العربيّة خطّة قوميّة إستراتيجية للتحول إلى الصناعات المعاصرة، وتطوير استراتيجيات تعليم وتدريب تستجيب لتلك الخطة.

ومنوها بأن نجاح الصناعة الوطنية وتعزيز قدراتها التنافسية يتطلب تضافر الجهود كافة ، وليس فقط مؤسسات القطاعين العام والخاص، وإنما أيضاً ؛ المواطن العربي المحلي المستهلك لهذه المنتجات ، بجعل خيار السلعة الوطنية خيارًا أساسيًا.

مع ملاحظة عدم الركون إلى ذلك فطرح أي منتج عربي ، في السوق الحالية يحتاج إلى أن يكون ذا جودة تنافسية عالية مع المنتجات العالمية، تتناسب مع احتياجات واهتمامات المستهلك وتخدم صاحبها بخاصة ، فالمواطن مهما بلغ التزامه بصناعة بلده أو أمته لا يستطيع إنفاق ماله في غير موضعه أو في شراء سلعة للتجريب،  ما يستوجب تنظيم حركة الأسواق المحلية بما يخدم التاجر والمستهلك معاً ويساعد على إعادة بناء الثقة مع المستهلك، وتلافي الغش والخداع التي كان يتعرض لها المشتري سابقاً.

ولا بد أن تحقيق التكامل الاقتصادي للدول العربية مهمة إستراتيجية  ، ولأجل ذلك لا بد من توفر إرادة سياسية عربية مشتركة وداعمة لهذة الإستراتيجية المشتركة لمدّة 25 عامًا ، مبنيّة على سيناريوهات مرتبطة بالقضايا الوطنيّة والقضايا المشتركة ومستفيدة من التجارب الاقتصادية للائتلافات والتحالفات الدوليّة الناجحة بعيدًا عن الخلافات السياسية.. مذكراً بأن النزاعات والخلافات البينية لن تحول دون بناء تلك الإستراتيجية وقيام التكامل فالسوق الأوروبيّة المشتركة جاءت بعد حروب أوروبية أوروبية وفي ظل خلافات سياسيّة عميقة أكثر مما هو الحال في منطقنا ،وبعامة لا بد من وضع خارطة طريق لإستراتيجية إقتصادية عربية  ، سنأتي على عناوينها الرئيسة في مقالة لاحقة .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى