ضوء في نهاية النفق

طلال أبوغزاله يقول: ويلٌ لرجلٍ سَبَق عقله زمانه

د. مشيرة عنيزات

حُوكِم الفيلسوف اليوناني سقراط بعد أن اتهم بإفساده لعقول الشباب، فشرب السم تجرعًا، فوثقت أسوار سجنه صدى صوته يصرخ “ويل لرجل سبق عقلة زمانه”، إنني أسمع صدى صوته داخل أذني، فأشعر بألم معاناته آنذاك.

أتراه سبق عصره فعلًا!

أم جاء في الوقت المناسب!

إن عدم وجود أمثاله في العلم والمعرفة والاطلاع في ذلك الوقت، هو ما جعله سابقًا لعقله، ومختلفًا في كل شيء، إنه الاطلاع والمعرفة يا سادة… هو ما يميز العاقل عن الجاهل. ولكنني وجدت الرد في قول المتتبي عندما قال:
ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ… وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ نادرًا ما نجد اتفاقا بين الشتات، فكلاهما في عصر، بيئة، واختصاص مختلف، ولكنهما التقيا في المعاناة من الجهل وقلة المعرفة.

أصابتني مقولة سقراط بالاكتئاب، رغم واقعيتها وثبات صحتها عبر العصور، فأنذرت القريب والبعيد بأن التغريد خارج السرب.. وأي سرب إنه السرب الجاهل، الذي لا يكلّف نفسه عناء القراءة، بأن مصيره العداء واتهامه بالجنون والعبث في المجتمعات وتضليلها.

يقول أحدهم “سيَنهالُ عليكَ العَوامُ شتمًا عندما تُخالف ما وجَدوا عليهِ آباءَهُم”.

وتذكرت في هذا المزمار طلال أبوغزاله يقول: “لقد تعرضت للتهديد مع قبل منظمات معادية بعد تكريمي في الجامعة الأمريكية في بيروت، قالو لي “لا يحلو لك إلا العزف على مزمار العدو”.

هل ارتكب طلال أبوغزاله ذنبًا، عندما عزف على مزمار العدو، أم ارتكب خطأ حين كان كتابًا مفتوحًا، يفهم الجهلة سطوره كما يحلو لهم، وأكاد أجزم أن بعضهم لا يفهم في قراءة الكتب مطلقًا، فيبدأ بتمزيقها مدعيًا أنها هراء ونوع من العبث.

طلال أبوغزاله… كنت أول من تحدث عن الابتكار في زمن الاندثار، وكنت أول من تحدث إلى المجتمعات المتهالكه عن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وكنت أول من تحدث عن التعليم الرقمي بدل التعليم العالي، عن الجامعات الرقمية في زمن التعليم التقليدي الجاهلي، وكنت أول من حذر الحكومات من خطر تعطيل الاقتصاد في زمن الكورونا… فلم يزعجك جاهلًا لم يحسن قراءتك، ولم يزعجك من مزق أوراق كتابك، لأنك كنت كتابًا مفتوحًا وتحمل في طياتك ما لم يحسن الآخرون تدبره، فأبدعت وحدك وأصبح البقية نادمين ويعضون أصابعهم على عدم الإمعان والتدبر في نصائحك، فلم يكن لهم خيارًا إلّا أن يقلدوك أو يعيدوا قراءة كتابك من جديد ليجاروا ما أثبته كلامك، وأصدقك قولًا إنني لو كنت مكانك لاحتفظت دائمًا بجزء مني لنفسي.

إن أجمل ما قرأت لجبران خليل جبران حين قال: “لا تخبر أحداً بما تريده من الحياة، فإن الناس يعشقون إفساد الأشياء الجميلة”.. وكأنه يواسي سقراط وطلال أبوغزاله، ملتقيًا معهم في المواجع. وبالرغم من ذلك، تبقون جميعًا أنفساً تفسر كلّ ماتراه وتسمعه من حولها بالخير ولا تظنون بالآخرين إلا الخير… ولاتسيئون لأحد، وإن وجدتم منهم غير ذلك، التمستم لهم العذر، كذلك هم العقلاء دومًا. فأمثال أينشتاين وأديسون ودافنشي عرفوا بأنهم سبقوا عصرهم بذكائهم وفطنتهم حتى أيقن العالم أجمع أن أمثالهم لن يتكرروا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى