أقلام وآراء

الإصلاح يبدأ من الإعلام

عمر عليمات

يُنسب إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل قوله إن «الانتقاد قد لا يكون محبباً لكنه ضروري، لأنه يقوم بنفس وظيفة الألم في جسم الإنسان، وينبهنا إلى أمر غير صحي»، فالنقد يفتح العيون على قضايا قد يغفل عنها أصحاب العلاقة، مما يتيح لهم فرصة التطوير والتحسين وعلى الأقل التنبؤ بما هو قادم والاستعداد له.

القدرة على الانتقاد وتوجيه التساؤلات والملاحظات هي التي تعطي القوة لوسائل الإعلام وتجعلها من أعمدة تماسك المجتمع، وأداة من أدوات تنفيس الاحتقان الاجتماعي وامتصاص الغضب وضمان عدم تحوله إلى ما هو أسوأ وأكثر كلفة على الدولة والمجتمع، ومن هذا المنطلق على الحكومة في أي دولة أن تنظر للإعلام بصفته أداة من أدوات التحسين والتطوير، وعنصر قوة، لا عنصر تهديد لها.

الشارع الأردني لديه الكثير من الأسئلة ومشغول بالبحث عن إجابات للعديد من القضايا، ويتلقف أي معلومة أو خبر منشور في الإعلام الخارجي، ليبني عليه تحليلاته وتوقعاته للمرحلة المقبلة، بغض النظر عما إذا كانت هذا الخبر (المعلومة) مجرد إشاعة مغلوطة ومضللة، وهذا في النهاية يحقق هدف الناشر بشكل لم يتوقعه هو نفسه.

وبكل صراحة، إعلامنا بعيد عن الشارع، ومحكوم بآليات عمل ومحددات تفرض عليه العمل ضمن قاعدة المثل الشعبي: « صحيح لا تقسم، ومقسوم لا تأكل، وكْل حتى تشبع»، فلا هو متداخل بشكل عميق مع قضايا الشارع وتساؤلاته ومناقشتها وتحليلها، ولا هو قادر على نشر المعلومة التي تخفف من قلق الشارع وتخوفاته، أو على الأقل ترضي جزءاً من فضوله، فما يريده الناس من الإعلام أكثر من مجرد الحديث عن مشاريع حكومية وإنجازات متحققة وقضايا اجتماعية، بل يريد إعلاماً يعكس وجهة نظره ويناقش همومه وانشغالاته المتعلقة بالدولة وكيانها ومستقبلها.

ترويض وتحجيم الإعلام الأردني خلق مساحات وثغرات واسعة في المجتمع ودفع الكثيرين تجاه وسائل التواصل الاجتماعي، وجعل منهم محللين وخبراء ومتخصصين، فالكل يُفتي كما يحلو له، لدرجة أن حسابات التواصل الاجتماعي في الأردن باتت أشبه بسوق عكاظ، والمشكلة أن الغالبية تتحدث دون الاستناد إلى معلومة صلبة، بل تحليلات وتأويلات، تثير الناس وتزيد من حالة الغضب والاحتقان، وكل ذلك بسبب غياب الإعلام الحقيقي المتزن والقادر على أن يكون انعكاساً للشارع.

الحكومة اليوم إذا ما أرادت فعلاً أن تسير في نهج الإصلاح السياسي، وتؤسس لحوار وطني جامع وممثل لكافة شرائح المجتمع، عليها أن تنطلق من القناة الأوسع وهي قناة الإعلام، فحرية الإعلام هي المؤشر الحقيقي والمقياس الدقيق للتوجه الحكومي، فالإعلام يستطيع أن يصل إلى كافة شرائح المجتمع ويعكس آراءها ويطرح تساؤلاتها، بعكس لجنة حوار تبقى محدودة القدرة ونخبوية التمثيل.

الحديث عن الإصلاح في الوقت الذي ما زال فيه الأردني يبحث عن أخبار دولته في وسائل الإعلام الدولية والإقليمية، ليس أكثر من حديث نخبوي وأداة لتعزيز أفكار مجموعة محددة ممن يزعمون أنهم قادة فكر ورأي ونخب، على الرغم من أننا عندما احتجنا إلى هؤلاء لم نجد أحداً منهم قادراً على الدفاع عن الدولة وروايتها، بل تحولوا إلى دور المشاهد، وربما كانوا عبئاً على الدولة.

باختصار، مَن يريد فتح قنوات حقيقية لمعرفة ما يريده الناس من الإصلاح، عليه أن يعطي الفرصة لوسائل الإعلام لتعبر عن الناس وانتقاداتهم وتطرح تساؤلاتهم. فكما قال ونستون تشرشل: الانتقاد مثل الألم ينبهنا لحالتنا الصحية قبل فوات الأوان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى