من هنا وهناك

الصديقان اللدودان!… هنيّة ونتنياهو يخدمان بعضهما عند الضرورة

عين الاردن —

حسن اسميك .. رئيس مجلس أمناء ستراتجيك للدراسات والأبحاث …. 

أبدأ مقالي بالترحّم على الشهداء، راجياً للجرحى الشفاء العاجل، وأسأل الله تعالى أن يحقن دماء إخواننا في فلسطين الحبيبة.

 

لطالما شكلت مدينة القدس مسرحاً للمواجهات العنيفة بين اليهود والعرب منذ نحو مئة عام، فقد كانت، ولا تزال، واحدة من أكثر المدن المتنازع عليها على وجه الأرض. ومع تحرك المياه الراكدة لعملية السلام في المنطقة، ظنَّ بعضنا، من المتحمسين للسلام والساعين إليه، أن الأمور في طريقها إلى المزيد من الهدوء والاستقرار وربما العمل المشترك بين العرب والإسرائيليين، لكن الأطراف المقابلة، التي لا تتحقق مصالحها إلا باستمرار الحرب، ولو على حساب شعوب المنطقة وأهلها، أبت إلا أن تعمل على إعادة المسار إلى المربع الأول، فنرى اليوم أن الأوضاع في الأراضي الفلسطينية تقف على شفا حفرة من نار، إذ تعيش المدينة المقدسة تصعيداً لم تشهد له مثيلاً منذ أكثر من ستة أعوام.

مدينة القدس، كما يعرف الجميع وكما تحدثت في عدة مناسبات سابقة، هي موطن لمواقع دينية رئيسية غاية في القدسية لكل الإبراهيميين، اليهود والمسيحيين والمسلمين على حد سواء، ومع ذلك ما زالت إحدى أشد بؤر الصراع في الشرق الأوسط. والاشتباكات التي تجري فيها اليوم بدأت قبل نحو شهر بخطوة إسرائيلية لمنع بعض التجمعات الفلسطينية مع بداية شهر رمضان المبارك، وهو – للأسف – وقت تتزايد فيه الحساسيات الدينية بين الطرفين. تصاعد هذا التوتر نتيجة شروع الإسرائيليين في تنفيذ خطة لطرد عشرات الفلسطينيين من الشيخ جراح أحد أحياء القدس الشرقية، ما أدى إلى تأجيج المواجهات واحتدامها.

وحيث أن الإسرائيليين يحتفلون في 17 أيار (مايو) من كل عام بيوم القدس الخاص بهم كعيد وطني للاحتفال بـ”الضم”، فإنه غالباً ما يسبق هذا الاحتفال تنظيم مسيرة تضم آلاف القوميين المتشددين، لتجوب شوارع البلدة القديمة، ومن ضمنها الحي الإسلامي المكتظ بالسكان، الأمر الذي يعتبره الفلسطينيون سلوكاً استفزازياً، بخاصة أن الجماعات اليهودية المتشددة أقدمت قبل عدة أيام على تنظيم أحداث مشابهة في القدس الشرقية هذه المرة، الأمر الذي زاد طينة العنف بلّة ودفع نحو مزيد من التصعيد.

قد تكون هذه الأحداث هي السبب المباشر لاندلاع العنف القائم، إلا أن الأسباب البعيدة من ورائها كثيرة ولا تقتصر على فعل واحد بعينه. أولها هو حالة السخط التي تسود الشارع الفلسطيني جراء إعلان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس رسمياً تأجيل الانتخابات التي كان مقرراً إجراؤها هذا الصيف إلى أجل غير مسمى، متذرعاً برفض إسرائيل السماح للفلسطينيين في القدس الشرقية بالمشاركة في التصويت. هذه الانتخابات الفلسطينية هي الأولى منذ 15 عاماً، ورغم أن تأجيلها جعل كثيرين في الغرب، وبخاصة في واشنطن، يتنفسون الصعداء في صمت، إلا أنه أثار موجة من خيبة الأمل والغضب أيضاً بين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

وفي الوقت ذاته لا يمكن إغفال تزامن الاضطرابات في القدس وتحركات الشارع الفلسطيني، مع المباحثات الأميركية – الإيرانية، ومع جملة التغيرات السريعة التي تحدث في الشرق الأوسط عموماً، التقارب التركي – السعودي، والإيراني – السعودي، والمصري – التركي ومع أن هذا النمط من تطبيع العلاقات لا يحتاج تغطية أو مبررات، إلا أن الفوضى في الشارع الفلسطيني قد تكون عاملاً جاذباً للأنظار بعيداً من هذه التغيرات الجارية في المنطقة.

أما العامل الأكثر أهمية فهو تغيّر الإدارة الأميركية الذي ألقى أحمالاً ثقيلة على المنطقة، فقد انقلبت السياسات الأميركية رأساً على عقب في ما يخص عدة ملفات عربية وشرق أوسطية، فمن دونالد ترامب الداعم لاتفاقيات السلام العربية – الإسرائيلية، والذي وقف إلى جانب حلفاء أميركا في الخليج، وشدد الحصار على إيران مقابل دعم إسرائيل بشدة، يأتي جو بايدن اليوم الذي يحاول قدر ما يستطيع النأي بالولايات المتحدة عن ملفات المنطقة، ما أثار حفيظة إسرائيل ودفعها إلى اتخاذ خطوات غير محسوبة ولا استراتيجية ولا حتى منطقية. فما يجري في فلسطين هو في جزء منه رفض إسرائيلي لعودة الولايات المتحدة إلى المفاوضات النووية مع إيران!

نتنياهو يصدِّر أزماته ويهرب إلى الأمام
إذاً، ليس من المبالغة إذا قلنا إنَّ كل ما حدث حتى الآن هو مدبر ومعد له سابقاً، وذلك لسببين اثنين:
الأول: أزمة نتنياهو ومحاولته المستميتة للبقاء على رأس الحكومة مع رفض بايدن له وتخلي الإدارة الأميركية الجديدة عنه، لذلك فهو مندفع الآن ليلعب الورقة الأخيرة بعد أن أحرق كل المراكب خلفه. أما السبب الثاني: فمرتبط باستياء الإسرائيليين من الوضع القائم وتزايد نقمتهم على اليمين، ونمو التيار المعارض له.

يعاني نتنياهو من أزمة حقيقة مستمرة منذ مدة، تضفي حالة من اللااستقرار السياسي العام في الداخل الإسرائيلي، فبعد أربع جولات من الانتخابات، ما زال تشكيل الحكومة في وقت قريب أمراً مستبعداً ووعر الطريق، ولا يلوح أي ضوء في نهاية هذا النفق، الأمر الذي يزيد من الاستقطاب داخل المجتمع الإسرائيلي، ويرفع مستويات التطرف والغضب بخاصة لدى التيارات اليمينية المتزمتة. كما أن ملاحقة نتنياهو القضائية في ملفات الفساد الثلاثة، والتي تشمل الرشوة والاحتيال، ما زالت قائمة، وتهدد أي مستقبل سياسي له، بل وقد تؤدي إلى سجنه إذا ما تمت إدانته.

وكما عادته دائماً، يلجأ نتنياهو عندما تستعصي عليه الأزمات الداخلية إلى القوى الإسرائيلية اليمينية الأكثر تطرفاً، ويتجه نحو استمالة غلاة المستوطنين من خلال إطلاق حملات ضغط جديدة على الفلسطينيين لتهجيرهم من منازلهم، مدركاً ما لذلك من أثر مستفز كبير، فالتصعيد الفلسطيني سيعني توحيداً للجبهة الإسرائيلية المقابلة وراء نتنياهو وحلفائه المتطرفين في مواجهته. وبعبارات أخرى، لا مشكلة لدى نتنياهو بأن يؤجج النار في الشوارع إذا ما أدى ذلك إلى أن يبقى في السلطة.. وهذا ما يعرفه معارضوه من اليسار ومن قوى التغيير في إسرائيل تمام المعرفة، لذلك تعلو دعواتهم لإسقاطه ومحاسبته. وعلى هذه القوى اليوم أن تلعب مزيداً من الأدوار وتمارس مستويات أعلى من الضغط في كل الاتجاهات التي قد تؤدي إلى خفض التصعيد ووقف حملة العنف والتهويد الجديدة التي لا تخدم إلا مصالح نتنياهو، وبعض الأطراف الخارجية المعادية لأي سلام بين العرب والإسرائيليين.

هنية يقع في الفخ بسهولة!
على الجهة المقابلة، ولكي تزداد الأمور تعقيداً، أطلقت “كتائب القسام”/ الجناح العسكري لحركة “حماس” مئات الصواريخ باتجاه المدن والأراضي الواقعة تحت النفوذ الإسرائيلي. من جانبه حمل الجيش الإسرائيلي الحركة مسؤولية الهجمات من غزة وقال إنها ستتحمل العواقب، ما يعني أن دوامة جديدة من العنف المتبادل تلوح في الأفق…

ومع أنه لا جدال في أن الدفاع عن الأرض حقٌّ أصيل لا خلاف عليه، لكن ما يحدث الآن هو أن إسماعيل هنية يقدّم من خلال صواريخ “حماس” خدمة لإسرائيل تفوق بكثير ما يمكن أن يقدمه للفلسطينيين ولقضاياهم المشروعة، فهي ترد على العدوان بعدوان، تماماً كما يريد الجانب الإسرائيلي منها، وتحول المعتدي إلى ضحية في السيناريو المعروف، والذي كثيراً ما استفادت منه إسرائيل في تبرير تصرفاتها، وفي حشد التأييد الداخلي والدعم والمساندة الخارجيين. وكان من المفترض أن تستفيد قيادة “الحركة”، وفي مقدمها السيد هنية، من التجارب المماثلة السابقة فتتوخى – وغيرها من الفصائل – الهدوء والعقلانية، لذلك من الطبيعي أن يثير تدخل “حماس” هذا الكثير من الشكوك حول استخدامها وظيفياً من قبل جهات خارجية، أو مساندة لنتنياهو، وإلا فما نفع الصواريخ التي لا تضر إسرائيل ولا تفيد الفلسطينيين كما يعرف السيد هنية؟

وحتى إن سلّمنا أن الانتفاضة الفلسطينية جاءت كرد فعل طبيعي على سلوك الإسرائيليين في إخراج السكان الفلسطينيين من بيوتهم في حي الشيخ جراح.>. ألم تكن لتحظى بقدر أكبر من الدعم والمساندة الشعبية والرسمية في العديد من دول العالم لو لم تتدخل “حماس”؟! للأسف هذا لم يحدث، بل لقد حقق نتنياهو مبتغاه واستطاع ضرب خمسة عصافير بحجر واحد:

1- أن يبقى على رأس الحكومة لأطول فترة ممكنة ويحول دون تشكيل حكومة جديدة بدونه. وبذلك ينجح في لعبة عض الأصابع مع بايدن ويرغمه على الاستسلام وقبول الأمر الواقع.

2  -التضييق على الشعب الفلسطيني البطل، وإخافته ودفعه لليأس وكسر مطالبته بحقوقه.

3- تخويف الإسرائيليين من شبح الحرب بينهم وبين الفلسطينيين، والتهديد بويلاتها على حياتهم وأمانهم، وهذا ما سيجهض أي آمال ممكنة للسلام.

4- استطاع نتنياهو استفزاز هنية للتأكد من صحة معلومات استخباراتية تدور حول قدرة “حماس” على تطوير صواريخ بعيدة المدى بمساعدة إيران و”حزب الله”، وأصبحت إسرائيل الآن على دراية تامة بصواريخ حماس وأنواعها ومداها وقدرتها التدميرية.

5- تمكنت إسرائيل من تجربة مشروعها في “القبة الحديدية”، ومدى نجاعته ومعرفة مواطن الخلل فيه.

وأخيراً وفوق كل هذا استطاع نتنياهو كسب الرأي العام العالمي والدعم الدولي تحت شعار مظلومية إسرائيل من صواريخ “حماس”. وبذلك قدم هنية خدمة مجانية لنتنياهو، مقابل أن يتحقق له أيضاً الحفاظ على ما تسميه حماس “قيادة المقاومة الفلسطينية”. وفي المحصلة فإن مصالح “الصديقين اللدودين” (هنية ونتنياهو) قد التقت، لكن على حساب القدس والفلسطينيين، وعلى حساب السلام في المنطقة بالعموم.

إيران من وراء الستار…
ليس خافياً على أحد أن إيران اليوم هي الممول الرئيس والمتحكم الفعلي بحركة “حماس”، وبالتالي ليس مستبعداً أن يكون إطلاق الصواريخ على القدس تنفيذاً لأمر إيراني مباشر، تحاول طهران من خلاله إبراز دورها “المغيّر للمعادلات” في المنطقة، لاستخدامه كورقة في المفاوضات الجارية حالياً حول برنامجها النووي مع الولايات المتحدة. ولا شك في أن لإيران مصلحة كبيرة في أن تسود الفوضى في القدس، وتتقاطع في الوقت نفسه مع مصلحة نتنياهو في لعبته السياسية الهادفة إلى تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة برئاسته، في حال استطاع كسب التأييد الكامل من اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يخشى أن يخسر السلطة، وبالتالي فقدان السيطرة السياسية والأمنية التي يحظى بها اليوم.

أين أميركا مما يجري؟
إن تطور الأحداث في القدس نحو التصعيد، أو حتى استمرارها بشكلها الحالي، لن يكون في صالح الولايات المتحدة على الإطلاق، فمن الواضح أنه أشبه بمحاولة إسرائيلية وإيرانية لإغراق أميركا أكثر في ملفات الشرق الأوسط، الأمر الذي تحاول الإدارة الجديدة الابتعاد عنه قدر الإمكان. وفي المقابل ما زالت أميركا هي الوحيدة القادرة على ضبط إيقاع الأنشطة الإسرائيلية. ومع أن عملية السلام متوقفة حالياً، إلا أن ذلك لا يعني غياب المسؤولية الأميركية – أو الحاجة إلى دور تلعبه واشنطن – عندما تبدأ الأحداث في القدس بالخروج عن السيطرة.

في الختام… ربما من الأفضل للفلسطينيين أن يتحلوا بالهدوء وضبط النفس، كي لا يتم استغلال أي خطوات غير محسوبة ضدهم، كما أتمنى من الأطراف في الداخل الإسرائيلي، بخاصة اليسار وكل المعتدلين، ممن يعارضون ما يجري في القدس ويحرصون فعلاً على اتفاقيات السلام، أن يبذلوا كل ما لديهم من جهود للتهدئة، فالقتال ليس إلا تجريباً للمجرب الذي لم يؤدِ إلا إلى الخراب والضحايا والتفرقة، أما البديل فليس شيئاً آخر سوى البحث في آلية جديدة وواضحة وعادلة للعيش المشترك بين جميع الأطراف في تلك الأرض المقدسة، مسلمين كانوا أم يهوداً أم مسيحيين.

الأيام أو ربما الساعات القادمة، بما ستحمله من مواقف وردود فعل سياسية وعسكرية، ستحدد الكثير عن مستقبل القدس وفلسطين، وعن السلام في المنطقة بالعموم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى